تقديم "حديقة لكسمبور" لعبد القادر بن الحاج نصر، أو عندما يغرف الروائيّ من سيرته
![]() |
تقديم "حديقة لكسمبور" لعبد القادر بن الحاج نصر |
فشكرا وامتنانا موصولين له.
****

قراءة في كتاب
تقديم " حديقة لكسمبور " لعبد القادر بن الحاج نصر.
أو
عندما يغرف الروائي من سيرته

قراءة في كتاب
من أغزر الكتّاب التّونسيين إنتاجا عبد القادر
بن الحاج نصر. فقد تجمّع في رصيده خلال ما يزيد عن نصف قرن من العطاء، مؤلّفات
تنتمي إلى أجناس أدبيّة مختلفة: ثمانية عشر رواية أولاها "الزّيتون لا
يموت" الّتي صدرت سنة 1969 وإحدى عشرة مجموعة قصصيّة كانت فاتحتها "صلعاء
يا حبيبتي" الّتي نشرت سنة 1970 ومسرحيّة واحدة وثلاثة بحوث أدبيّة وثمانية
مسلسلات تلفزيونيّة أنجزت التّلفزة الوطنيّة ستّة منها.
ومن آخر ما نشر من آثار "عاشق وطن" (وهو
مجموعة مقالات) وقبله بقليل "حديقة لكسمبور Jardin
du Luxembourg الصّادرة هذه السّنة
2022 عن دار سوتيبا جرافيك (Sotepa Grafic) في 219 صفحة من الحجم المتوسّط تضاف إليها صفحات تتضمّن تعريفا
بالكاتب وضبطا لمؤلّفاته.
* في تجنيس الأثر
لئن أدرج عبد القادر بن الحاج نصر أثره ضمن جنس
الرّواية بالتّنصيص على ذلك تحت العنوان فإنّه ينتمي في الواقع إلى ما اصطلح
المهتمّون بتجنيس الآثار الأدبيّة على تسميته برواية السّيرة الذّاتيّة. الّتي لها
خصائص بنيويّة وأسلوبيّة تميّزها عن السّيرة الذّاتيّة من جهة وعن الرّواية العاديّة
من جهة أخرى. ودون الدّخول في كثير من التّفاصيل النّظريّة يمكن القول بأنّ السّيرة
الذّاتيّة تكتب في الغالب بغرض التأريخ وضبط الحقائق ورسم ما واجهته الذّات من
صعوبات وما تخطّته من عراقيل لتبلغ ما بلغته من نجاحات أو بغية الدّفاع عن الذّات
المستهدفة من قبل الخصوم مثلما فعل طه حسين في "الأيّام". ويعقد كاتبها
مع القارئ ميثاقا يحاسبه على مدى تقيّده به. أمّا كاتب رواية السّيرة الذّاتيّة
ففي حلّ من عقد ميثاق مع القارئ ويضفي الصّبغة الأدبيّة التخييليّة على الوقائع والأحداث
اليوميّة لتحقيق الإبداع المطلوب في الرّواية لذلك غالبا ما يغيّر أسماء الشّخصيّات
والأماكن ويتصرّف في الأحداث اليوميّة بالزّيادة والإسقاط والإطناب والإيجاز والتقليص
والتضخيم بشكل يجعلها تستجيب لمقتضيات القصّ من تشويق ومراوحة بين التأزّم
والانفراج وإضفاء دراماتيكيّة على الأحداث غير أنّ التّخييل والتصرّف في المعطيات
لا يجب أن يخلّا بالحقائق الأساسيّة المسرودة وأن يرسما لصاحب السيرة صورة مغايرة
تماما لصورته. وممّا يميّز رواية السيرة الذاتيّة عن الرّواية العادية تمحورها حول
شخصية السارد بشكل يجعل الحدث الروائي لا يتفرّع ويذهب وهو يلاحق بقية الشخصيّات
في شتّى الاتّجاهات.
وتغطّي "حديقة لكسمبور" تقريبا الفترة
الممتدّة ما بين 1971 تاريخ سفر الكاتب إلى فرنسا للدراسة و1979 تاريخ عودته منها (إذا
أردنا الدقّة توقّف السرد قبل استكمال الدراسة والعودة النهائية في هذا التاريخ). واللاّفت
للانتباه أنّ عبد القادر بن الحاج نصر غرف من سيرته في أكثر من أثر سردي دون ترتيب
لمختلف مراحل حياته. فقد سبق له أن أصدر سنة 1981 رواية "صاحبة الجلالة"
الّتي تغطّي فترة اشتغاله بالإذاعة الوطنيّة كمذيع للأخبار ومحرّر بمجلّة الإذاعة
والتلفزة حتّى سفره إلى فرنسا. ونشر سنة 1994 رواية "زقاق يأوي رجالا
ونساء" الّتي تغطّي الفترة القصيرة الّتي أعقبت عودته من فرنسا. ونشر أخيرا
على صفحته حلقة من رواية بعنوان "غيمات بيضاء ما أبعدها" تغطّي المرحلة
الممتدّة من النّشأة الأولى حتّى السفر إلى فرنسا.
* عنوان الرواية
اختار الكاتب لروايته اسم حديقة عمومية معروفة
بباريس. وقد يخيّل لمن لم يقرأ الأثر بأنّها كانت مسرحا لأهمّ الأحداث لكنّ الأمر
ليس كذلك فالمرات الّتي تواجد فيها السارد بهذه الحديقة قليلة لكن اختيار اسمها
كعنوان يعود ربّما إلى رمزيتها. فهي اختزال لباريس ورمز من رموزها لا بل رموز
فرنسا. ففيها تنتصب تماثيل كبار شخصياتها التاريخية ومفكريها وكتابها وفنانيها
فضلا عن كونها فضاء مفتوحا يرتاده السارد كلما أحس بالضيق. ففيه يشعر بتجدد الحياة
من فصل إلى آخر خلافا لشارع جوردان الّذي يوحي له كلّ شيء فيه بما في ذلك الأشجار
بالحزن والموت. وعلاقة السارد بحديقة لكسمبور انعكاس لعلاقته المركّبة بباريس. فهي
المدينة الّتي حلم بالعيش فيها وعشق الصورة الّتي كوّنها عنها قبل النزول بها لكنّها
لم تستقبله بذراعين مفتوحين ولم تبادله ما يحمله لها من عشق. ففيها عرف التشرّد
والجوع والبرد وكاد يفقد آدميته حتّى أنّه أصبح يغبط الكلاب على ما تلقّاه من عناية
("ما أسعد كلاب هذا الشارع الطويل"). لذلك كان يشعر أحيانا بأنّ الحديقة
وباريس الّتي تحويها عالم ليس لأمثاله (" كيف أدخلك يا باريس، كيف أواجهك،
كيف أنخرط في أفواج زائريك وساكنيك؟ كيف أسير مثلهم دون خوف، كيف أتنقّل مطمئنا،
كيف أجلس حين أحنّ إلى الراحة على مقعد عمومي مثل الآخرين؟ ... وقد رسمتك في خاطري
مدينة مضيافة تستقبل بالأحضان زائريها وعشاقها والتائهين في أزقتها.. ")
* الأمكنة
والأزمنة
تدور الأحداث بدرجة أساسية في فرنسا وتحديدا
باريس الّتي قلما يغادرها السارد إلى إحدى المقاطعات وبدرجة أقلّ بتونس الّتي يعود
السارد إلى أماكن منها وخصوصا العاصمة وبئر الحفي أو يستحضرها عبر الاسترجاع حتّى
أنّه يكاد يحصل نوع من التوازي بين الأمكنة التونسية والأمكنة الفرنسية الّتي تتفرّع
بشكل يصعب حصره: بعضها مفتوح مثل حديقة لكسمبور والطرقات والساحات وبعضها شبه
مفتوح مثل الحرم الجامعي والمقاهي والمحطات وبعضها مغلق مثل قاعات الدرس وشقق
السكن وربما شديد الضيق مثل غرفة الحراسة. ولهذه الأمكنة دور وظيفي. فهي تعبر عن
أوضاع السارد الاجتماعية وأحواله النفسية. أما الأزمنة فلا نجد تحديدا صريحا دقيقا
لها لكن لا يعدم القارئ ما يحيل عليها مثل:
- الحديث عن حكم بورقيبة بعد فشل تجربة
التعاضد وهروب أحمد بن صالح إلى الخارج وتأسيس حزب حركة الوحدة الشعبية (وقد حصل
ذلك سنة 1973)
- انتساب السارد إلى جامعة فانسان الّتي
بدأت كمركز تجريبي بعد حركة ماي 68 وتحديدا سنة 1969 ثمّ أصبحت جامعة في ديسمبر 1970.
- انتساب السارد أيضا إلى جامعة
السربون الجديدة الّتي تأسّست سنة1971.
- الحديث عن وجود الباجي قايد للسبسي
على رأس سفارة تونس بباريس (كان ذلك سنتي1970و1971)
* الشخصيات
يمثل السارد الشخصية المحورية الّتي لا نرى ولا
نسمع شخصية أخرى إلاّ في حضورها. فبقيّة الشخصيات تظهر نتيجة حركتها في المكان
والزمان. ولم تقع تسميتها رغم أنّ ذلك كان ممكنا لو رغب فيه الكاتب. فالسارد يذكر
أسماء بقية الشخصيات إذا تحدث عنها بضمير الغائب أو يجعل بعضها ينادي بعضها الآخر
باسمه خلال الحوار بينما جعل الشخصيات عندما تخاطب السارد تكتفي بقولها: "يا
الخو أو يا صديقي أو يا ابني... " وحجب اسم السارد يعود ربما إلى الرغبة في
عدم حصول التطابق الصريح بين الكاتب والسارد فيتحوّل الأثر إلى سيرة ذاتية ويفقد
صفته الروائية التخييلية. وأغلب الشخصيات تظهر مرة واحدة ثم تختفي وقلّة منها
تعاود الظهور من جديد. وقلّما تنشأ علاقات فيما بينها فهي في الغالب تتفاعل مع
السارد دون سواه. وكثير من هذه الشخصيات لها وجود حقيقي مثل الأستاذ المعروف محمد
أركون الّذي درس بالسربون والأستاذة ندى توميش الّتي درست بفانسان ثمّ بالسربون
وكذلك الأستاذ أندريه ميكال. والأمر نفسه ينطبق على شخصيات تونسية معروفة مثل
الشاعر أحمد اللغماني الّذي تولّى إدارة الإذاعة والتلفزة والعروسي المطوي الّذي
أشرف على نادي القصة بالوردية وترأس مجلة قصص وصالح جغام صاحب البرامج والمنوعات
الإذاعية والتلفزيونية المعروفة الخ... أمّا بقية الشخصيات (مثل المنصف صديق
السارد الّذي آواه في البداية وسيمون الخياط اليهودي الّذي شغله فترة والصادق ابن
قريته الّذي استضافه وكمال عضو حركة الوحدة الشعبية الّذي حاول دون جدوى ضمه إلى
حزبه وفرج محمود وزوجته دونيز اللذين كان يزورهما في بيتهما من حين لآخر والطالبة
فائزة الأثيوبية الّتي كان ينافسها على المراتب الأولى في الدراسة وماريان الإفريقية
الخمسينية الّتي عرض عليه الزواج ليضمن حدّا أدنى من الاستقرار لكنّها رفضت وعمار
القاطن بشقة في نهج جالطا يلجأ إليها كلما حل بتونس العاصمة وغيرهم كثير) فالكاتب
وحده يعرف إن كان لهم وجود حقيقي. الأرجح أنه أعطى لهؤلاء أسماء غير أسمائهم
الحقيقية ونسب إليهم أفعالا قد لا يكونون قاموا بها في حياتهم اليومية. ولبعض
الشخصيات الثانوية حضور كثيف يجعلها ترسخ في الذاكرة بما رسم لها الكاتب من ملامح
او نسب اليها من أفعال. من هؤلاء:
- الجزائري صاحب المقهى الّذي احتفى
بالسارد في أحلك الظروف وساعده على الاشتغال مع سيمون.
- الخالة عزيزة الّتي تنظف شقة عمار
وتعد له الطعام وقد اكتشف السارد أنها تدخن وتشرب البيرة بلهفة عجيبة لكنها تتحرج
من رؤية الغرباء لها وهي تفعل ذلك.
- عم سالم بواب دار تونس الّذي يعامل
الطلبة بلطف غير معهود.
* مقاطع الرواية
قسم الكاتب روايته إلى ستة مقاطع معنونة هي
عبارة عن فصول متقاربة من حيث الحجم. وقد جاءت بنيتها كلاسيكية إذ قامت على احترام
الخطية الزمنية حيث يقوم السرد فيها على الانطلاق من نقطة زمنية ماضية والسير في
اتّجاه المستقبل مع استرجاع ماض أبعد غالبا ما يكون حصل في أمكنة غير الّتي تدور
فيها الأحداث المتجهة نحو المستقبل:
- فندق النّمل الأسود (39 صفحة): وصول
السارد إلى باريس والصعوبات الّتي واجهها مخ في تدبر المسكن والعمل الهش خصوصا مع
الخياط سيمون. والعنوان يختزل صعوبة الأوضاع الّتي عاشها. فالنمل الأسود وجده وهو
بنزل قديم معرشا على لحم دجاج احتفظ به للعشاء فاضطر لغسله وأكله.
- يا ثلوج باريس (35 صفحة): الاخفاق
في اجتياز امتحان الدخول إلى الجامعة رغم الجهود المبذولة والمعاناة.
- المكسور الجناح (31 صفحة): عودة
مؤقتة إلى تونس لقضاء العطلة والعمل خلالها بالإذاعة والتلفزة.
- حكاية أخرى (33 صفحة): العودة إلى
باريس والنجاح في المناظرة ودخول الجامعة ومتابعة الدروس واللقاء بمحمود فرج
المهاجر الّذي غادر تونس بسبب كرهه لنظام بورقيبة رغم انه لم يكن معارضا سياسيا
نشيطا واللقاء بالصادق ابن بلدته واستعادة ذكريات الماضي.
- الغزالة الإفريقية (39 صفحة): العمل
الهشّ بالتوازي مع الدراسة الّتي أفضت إلى الحصول على الأستاذية وما كان بينه وبين
فايزة من تنافس في الدراسة وانجذاب متبادل لم يفض إلى الارتباط والعودة إلى تونس
والزواج من ابنة عمه.
- ما أحلى الأيام وما أمرها (40 صفحة):
العودة إلى باريس لمواصلة الدراسة بالمرحلة الثالثة وترك الزوجة في القرية
والقيام بعمل هش (حارس ليلي) وسكن في
حجرة ضيقة تشبه " عشة فوق السطوح " يدخلها متخفيا. وعدم مساعدة السفارة له
(حين أراد مقابلة السفير الباجي قايد السبسي قيل له: السفير لا يقابل الطلبة
المنكوبين) واللقاء بأدباء تونسيين مهاجرين منهم القصاصين أحمد ممّو وأحمد الهرقام
وجلول عزونة والشاعران عامر بوترعة وسويلمي بوجمعة.
ولئن كانت الرواية تصوّر مسيرة الذات المتعرّجة
في إخفاقاتها ولحظات ضعفها ونجاحاتها وتحدّيها للصعوبات فإنّها تتّسع أيضا لرسم
ملامح البلد االأجنبي لذا وجدت فيه نفسها والتفاعل مع من وما يحيط بها فيه. ولا
تخلو الرواية من نقد لأوضاع تونس السياسية رغم ان السارد لم يهاجر لأنه كان مطاردا
بسبب آرائه ومواقفه ولم يكن يثق بالمجموعات المعارضة الّتي كانت تنشط بالخارج بل
كان يحب بورقيبة الّذي كان صديقه محمود فرج يكفر به. دون ن يفسد ذلك للود قضية.
عمّار العربي
13 نوفمبر 2023


تعليقات