قصّة: ضمّة واحدة

 لكنّ الوشاح الأزرق الورديّ الأخضر بخضرة الأعشاب اليانعة، الأبيض النّاصع،
البنفسجيّ كان يبتعد كلّ يوم ويتلاشى في المدى الّذي لا يدركه بصرها حتّى اختفى تماما.


منتصف النّهار.

أزاح الغطاء عن وجهه، فرك عينيه، شرب قهوته، التقى نظره بنظر زوجته، ابتسم لها فأشاحت بوجهها.

الواحدة ظهرا.

جلس في ركن بعيد عن حرفاء المقهى، انهمك في التّدخين، سيجارة أولى وثانية ورابعة وسابعة، أخذته موجة من السّعال، سعل حتّى سالت دموعه، مسح الدّموع بكفّيه، تنهّد.. مقادير.. ابتسم لأحد المارّة، أدار نظره في المكان، تناول السيجارة العاشرة، أغمض عينيه متلذّذا طعم الدّخان يتسلّل عبر الحلق إلى الرّئتين ويعود عبر الحلقوم فتنتفخ الأوداج، وينساب من بين الشّفتين نحو الفضاء.. يغمض عينيه من جديد ويترك لرأسه العنان تتمايل كسعفة نخيل تتلاعب بها الرّيح.

"يا زهرة في خيالي"

تضرب زوجته بالمكنسة على الأرض عدّة مرّات، تحدّق في الفضاء الّذي يفصل المطبخ عن غرفة النّوم، تهمّ بأن تلقي رأسها على الحائط، يلهج لسانها بالشّهادتين، تسوّي المخدّتين على السّرير، مخدّة زوجها ومخدّتها.. مخدّتها الّتي لم ترح عليها خدّها منذ زمن.. تنفض الأغطية وتفرشها، تغادر غرفة النّوم وتنحشر داخل المطبخ.. لن تحرم زوجها وجبة العشاء، ستضع له أكلا على الطّاولة كما توضع الأعلاف للدابّة.. وهو دابّة.. دابّة تمشي على قدمين.

دخلت غرفة المطبخ.. خرجت من غرفة المطبخ.. غسلت الثياب.. نشرت الثياب على الحبل.. مرّرت المكنسة على أرضيّة الغرف.. رمت بالمكنسة على الأرض.

الثالثة بعد الظهر.

أراح مؤخّرته على حائط قصير، رمى في فمه بحبّة مهدّئة خدّرت حواسه.. حبّة مخدّرة هدّأت أحزانه.. نظر إلى الشّمس تتّجه نحو الغروب.. غائبة في سحابة ركاميّة، حواشيها زرقاء كلون حجر الصوان الأزرق، جمرتها تتفجّر في داخله وتنطفئ.. أيعقل أن تموت الشّمس.. مصّ من الزّجاجة مصّة وتنهّد.. مصّة واحدة واستعرض جوانب الزّجاجة الخضراء.

"بنت الكلب.. ما أجملها، ما أرقّها حين تخفق في الدّاخل فتتهلّل العروق والأوردة."

رفع الزّجاجة إلى فوق وأنزلها إلى مستوى شفتيه وقبّلها بحرارة.

"هذه آخر قبلة يا مجرمة، يا كلبة ابنة الكلب."

باعد بين ساقيه المتدلّيتين.. جعل يهشّم الزّجاجة على الحائط، يهشّمها برقّة متناهية، بلطف شديد حتّى تناثرت شظايا تحت قدميه وسال الخمر في المنحدر إلى أن بلغ حاشية الرّصيف.. حدّق في الشّظايا.. فتح قفل سرواله وتبوّل على الشّراب.. اختلط الماء بالماء.

الثالثة ظهرا.

ارتمت زوجته على أوّل مقعد، اقتلعت فولارتها ومزّقتها، حلّت شعرها، همّت بأن تقصّه من جذوره، ألقت المقصّ على أرضيّة الغرفة، وقفت أمام المرآة وشبكت أصابعها في شعرها، حرّكته في كلّ الاتّجاهات حتّى أصبح قفّة من ريش.. ضحكت من نفسها.. عادت إلى الجلوس من جديد.

"إن لم يطلّقني هذه اللّيلة بالأيمان الغليظة فوالله والله والله لأطلّقنّه أنا بالأيمان الغليظة أوووف."

وضعت ساقا على ساق وانتظرت.

الرّابعة عصرا.

أحسّ بدوّار.. واصل السّير متعثّرا لكأنّ معدته قد أفرغت ممّا فيها فلا كبد ولا رئتان ولا قلب ولا أمعاء.. ضغط بيده على بطنه والتوى حول نفسه.. قرفص لحظات ثمّ واصل السيّر.. الوجه شاحب والشّفتان متيبّستان.. أدار لسانه حول شفتيه.

"لابدّ أنّ زوجتي العزيزة قد أحضرت حساء حارّا بلحم الدجاج."

جاهد الإعياء حتّى لامست يداه الباب.. حاول أن يرفع إحدى يديه ليطرق الباب دون جدوى.. سقطت رأسه إلى الأمام فارتطم جبينه بالباب.

*****

الخامسة عصرا.

ساعدته حتّى تمدّد على السرير.

اعتصر حتّى رفّت شفتاه.. خالته قد ابتسم.. إنّه ابتسم فعلا.

رأت من خلال شفتيه المرتجفتين شريط حياته منذ أن تزوّجته.. منذ أن تزوّجته سكنت الأحلام وانطفأت.. انقشع الوشاح الورديّ الّذي كانت تتأمّله كلّ صباح وتحلم بأن تمسك به يوما، تفتكّه من المدى البعيد، تتملّك كلّ ألوانه وتصنع منه فساتين وقمصانا وصدارات وجوارب وفولارات وأحذية ثمّ ترقص، تدور حول نفسها، تغادر المنزل، تتوسّط السّاحة وترقص للنّاس، تجسّم فرحتها وسعادتها.. لكنّ الوشاح الأزرق الورديّ الأخضر بخضرة الأعشاب اليانعة، الأبيض النّاصع، البنفسجيّ كان يبتعد كلّ يوم ويتلاشى في المدى الّذي لا يدركه بصرها حتّى اختفى تماما.

السّابعة مساء.

 وضعت كفّها على جبينه.. لا حمّى ولا برودة، لا حياة ولا موت.. أشياء كثيرة تنفد داخله.. لم يعد هو.. لم يعد شيئا لكنّه التقط يدها وضغط عليها.

- أرجوك يا زوجتي، يا أعزّ النّاس، أتوسّل إليك أن تقسمي لي باليمين الغليظة أنّك ستعيدين حرفا حرفا ما سأقوله لك.

- لن أفعل.

- أتوسّل إليك.

قرّب يدها من شفتيه وقبّلها.

فكّرت، تنهّدت، تردّدت، صمتت، لامست شفتاه بشرة يدها وقبّلها من جديد.

- أنا أموت يا أعزّ امرأة في الدّنيا، رجاء.

"كذّاب.. كم مرّة فعلها.. يتماوت ليلا لينتفض صباحا كالثّعبان."

- لن أعيد كلمة واحدة ممّا ستقول.

- أرجوك.. طاوعيني برحمة أمّك العزيزة عليك، برحمة الوالد والعمّ والخال والعمّة والخالة.

- طيّب.. ماذا أقول؟

- يا ربّ ألعن زوجي دنيا وآخرة.

بين ابتسامة مرّة وأخرى أمرّ منها ردّدت:

- يا ربّ ألعن زوجي دنيا وآخرة.

- يا ربّ لا ترحمه أبدا وأسكنه زمهرير جهنّم.

- يا ربّ لا ترحمه أبدا وأسكنه زمهرير جهنّم.

- احشره مع زمرة فرعون وهامان وقوم لوط.

- احشره مع زمرة فرعون وهامان وقوم لوط.

- يا ربّ بعد عذاب الآخرة اجمعني بزوجتي واجعلني خادما مطيعا لها.

- يا ربّ...

توقّفت عن الكلام.. كان قد فتح عينيه بياضا لا سواد فيه لآخر مرّة وأغمض جفونه لآخر مرّة.

"أو لن أسلم منه لا دنيا ولا آخرة!"

تمتمت:

- يا ربّ احشره حيث ما تحشره في جهنّم لكن بعيدا عنّي بعد السّماء عن الأرض وزوّجني زوجا يضمّني إلى صدره وأبيت في أحضانه أشمّ رائحته ويشمّ رائحتي، أتلذّذ رجولته ويتلذّذ أنوثتي.

عبد القادر بن الحاج نصر

جانفي 2022

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد