الزّبدة والذّهب وأختي الجازية

الزّبدة والدّهب وأختي الجازية


 جلست مع أختي الجازية في ساحة منزلها بالرّيف.

فبين الحين والحين أزورها ونجتمع على ذكريات مشتركة.

كانت جلسة لطيفة.

رحل بنا الخاطر إلى عشرات السّنين إلى الوراء عندما كنّا صغارا وكان المطر ينزل مدرارا في الخريف والرّبيع والشّتاء، وكانت الأرض من حولنا تكتسي حلّة من الحشائش والزّهور، وكنّا نأكل خبز الطّابونة بعد أن نغمسها في الزّبدة، ونشرب الحليب واللّبن.

في عزّ الذّكرى أقبلت ابنتها ووضعت أمامنا خبز الطّابونة والزّبدة واللّبن فأكلت بنهم كما كنت آكل وأنا صغير.

قالت لي الجازية:

- أرأيت، لو أنّني أنا الّتي مخضت الحليب لما أتت كلّ هذه الكميّة من الزّبدة لكنّ زوجة ابني هي الّتي تولّت ذلك فكان كلّ هذا الخير.

لاحت لنا صور الماضي البعيد، كان أعمامي الّذين لهم أغنام عدد أغنامنا أو أقلّ تستخرج زوجاتهم وبناتهم الزّبدة من الحليب بكميّات وافرة يحوّلنها إلى سمن يحفظنه في الجرار.. لكن أمّي وأخواتي كلّما مخضن الحليب لم يستخرجن منه زبدة إلاّ قليلا منها وتلك ظاهرة لم نجد لها تفسيرا.

عندما نبتعد قليلا، مسافة ميل عن المنزل ونبني خيمة على أطراف الأرض ثمّ تمخض أمّي الحليب تتوفّر الزّبدة لنا بكميّة عجيبة.

لذلك ظلّ أبي كلّ ربيع يقيم لنا خيمة بعيدا عن المنزل ونضع الأغنام في زريبة أمام الخيمة ونسرح بها في أيّ موضع من الأرض، فنحصل على زبدة كثيرة وعلى سمن أكثر.

إلى يومنا هذا ما تزال القضيّة قائمة فبعض إخوتي مازالوا يقيمون في منزل الوالد أو في منازل مجاورة له لكنّهم يشكون من قلّة الزّبدة باستمرار على عكس الجيران في ذلك الرّيف الجميل.

ظاهرة طبيعيّة إلاهيّة عجيبة.. ترى من يستطيع أن يفكّ رموزها.

كنت أنا والجازية مبحرين في الذّكريات عندما رأيت معصميها ورقبتها وصدرها لا أثر للذّهب عليه.. تعجّبت وسألت فقالت لي:

- كنت تعلم السّبب لكنّك نسيت.. عندما وصلنا خبر وفاة الوالدة في منزل جدّي، جرى الجميع كالمجانين، ولأنّني كنت صغيرة اختبأت بين النّساء المحيطات بجثمان أمّي ولقد رأيتهنّ ينتزعن الذّهب من معصميها وأصابعها وصدرها ورقبتها ويكدّسنه في غربال.. لقد سلبوها أمام عينيّ كلّ ذهبها وفضّتها وقد كان لها كثير من الحليّ، منذ ذلك اليوم لم ألبس خاتما ولا سوارا ولا فردة ولا سلسلة لا ذهبا ولا فضّة.

تنهّدت أختي الجازية وتنهّدت.

عبد القادر بن الحاج نصر

أكتوبر 2017

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد