دمعة على خدّ النّاقة

دمعة على خدّ النّاقة


النّاقة.. تلك الّتي رأيتها تحمل أكياس القمح، كيسين كلّ مرّة، واحدا على اليمين والثّاني على اليسار تشدّهما فوق ظهرها يدا أبي القويّتان.. تنهض النّاقة وتسير بحمولتها حيث تشاء المسافات.

وهي تسير ورأسها مرفوعة كرأس ملكة يسبقها ابنها تارة، وتارة أخرى يتأخّر عنها، وأكثر الأحيان يقترب منها ويلتصق بها، يرسم خطواته على نسق خطواتها، ويجعل رأسه الصّغيرة بالقرب من رأسها محاولا أن يطاولها فإذا ما أدرك أنّه كاد يبلغ غايته ولن يبلغها أطلق رغاء شبيها بضحكة الانتصار.

النّاقة وولدها يتبختران في الطّريق بين القرية ومنزلنا، ويسير أبي تارة وراءهما يحثّهما على السّير وتارة أخرى أمامهما يحدّ من اندفاعهما.

في ساحة المنزل تبرك النّاقة فتتحرّر من حملها الثّقيل ثمّ تستعجل الذّهاب حيث ينتظرها العلف.

كلّما نظرت إليها داخلني زهو بأنّها أجمل من نوق العشيرة كلّها، إنّها سيّدة النّوق وملكتها، بيضاء شهباء عالية، وبرها نظيف ساطع، خدّاها صافيتان كصفاء ماء الغدير الّذي تغرف منه النّساء ليغسلن الصّوف الّذي يصنعن منه فرشا  وأغطية وألبسة.

استوى ولد النّاقة، كبر، أصبح "شبلا" جميلا توحي ملامحه بأنّه سيصبح جملا فحلا بين فحول الجمال يحسدنا عليه رجال العشيرة والنّساء.

ذات ليلة رأيت أمّي حزينة يلفّها صمت وتتحاشى النّظر في وجوهنا، ورأيت جبين أبي مقطّبا وشفتاه متيبّستين.

عندما قدّمت له أمّي صباحا كسرة الخبز والزّيت أشاح بوجهه ولم يقبل عليهما.

انقبض قلبي وارتجفت كبدي.. هذا الصّباح ليس كالصّباحات الأخرى.. هناك أمر غامض يعتمل في باطن الغيب.

ترقّبت والحزن يفري أحشائي.

الجفاف على أشدّه، الأرض فقدت زينتها، الأشجار تخلّت باكرا عن أوراقها وندرت الأعلاف ورفع النّاس رؤوسهم نحو السّماء يبحثون عن السّحب الرّكاميّة.

رأيت أبي يتّجه إلى النّاقة ويشدّها جيّدا بسلسلة حديديّة في مربطها على غير العادة، ورأيته يضع حبلا في رقبة شبلها وهو يربّت على قوائمه بينما أمّي واقفة متسمّرة غير بعيد.

جرّ أبي "الشّبل" فأبى أن يغادر مكانه.. كان أبي يجذبه إلى الأمام في اتّجاه سوق القرية الأسبوعيّة فكان يرفع رأسه ويتشبّث بالأرض الّتي يقف عليها ولمّا استعصى الأمر على أبي تقدّمت أمّي متثاقلة وجعلت تدفع الفحل الصّغير بكلتا يديها إلى أن تزحزحت قوائمه عن المكان وكأنّما اقتلعها اقتلاعا من الأرض.

سار الفحل الصّغير وراء أبي، ووقفت أمّي حزينة منهارة، وما أن ابتعد قليلا حتّى رغت النّاقة.. اهتزّت في مكانها وأخذت ترغو رغاء متواصلا، دارت حول نفسها دورانا متواصلا، غرزت رأسها في الأرض، عضّت السلسلة الحديديّة، رفعت رأسها، ضربت بقائمتيها الأماميّتين الفضاء بينما الفحل الصّغير يبتعد وبين الحين والآخر يتوقّف محاولا أن يمشي القهقرى كلّما علا رغاء النّاقة حتّى غاب وراء كتلة من التّين الشّوكيّ.

ظلّت النّاقة ترغو وتنتفض وتدور حول نفسها وزبد أبيض كزبد مياه البحر في أوجه غضبه يغطّي شفتيها..  لم يكن الرّغاء رغاء وإنّما نوّاح يتفجّر من أحشائها ويصّاعد نحو السّماء، ولم يكن دورانها في مربضها دورانا عاديّا وإنّما عاصفة مداريّة ولم تكن رأسها حين تنخفض نحو الأرض عند كلّ صيحة رغاء وترتفع مع كلّ أخرى غير ثورة على السّجن والعجز واليأس والقهر.

أمّ أفتكّ ولدها من بين يديها.

رأيت، لا أحد مجبر على أن يصدّقني، رأيت دموعا تنحدر على الخدّين الأبيضين النّاصعين، رأيت دموعا بحجم الألم والمأساة، تفجّرت الدّموع حين تعبت النّاقة وهي ترنو نحو المسار الّذي اتّبعه ولدها.

رأيت ناقة تذرف دموعا في صمت.

وبكيت.

عبد القادر بن الحاج نصر

سبتمبر 2017

 

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد