العاصفة

لوحة شغف Passion
للفنّانة التشكيليّة منى فرجاني Monart
ككلّ صباح بعد أن يغمر نور الشّمس غرفة النّوم، ويتسرّب الدّفء إلى الأغطية الّتي أحاط بها نفسه ينهض خفيفا، يقف أمام المرآة مطوّلا، يتطيّب، يختار اللّباس الّذي يتّفق مع اليوم الجديد..
ككلّ صباح تفتح سلطانة جفنيها، ترفع رأسها عن المخدّة
وتبتسم.. تعوّدت ألّا تغادر الفراش إلاّ والابتسامة مرسومة عل شفتيها، إنّها
تتحدّى رقصة الشّعاع على جدران الغرفة وحفيف النّسمة بين أغصان الصّفصافة الّتي
تسلّقت حائط البيت بالقرب من شباك غرفة نومها.
يدفعه الحنين إليها فيضاعف وتيرة السّير، وتمشي سلطانة
على وقع دقّات قلبها تسبقها رائحة العطر الّتي حين تصل إليه وهو واقف في منعطف
النّهج، يدخّن الوقت، تشرق البهجة على ملامحه.
يأويان إلى المقهى الّذي تعوّد هو أن يدخّن الوقت داخله
في انتظارها وتعوّدت سلطانة حالما تجلس على المقعد أن تستعيد تفاصيل الماضي.. خمس
سنوات من اللّهفة والشّوق والأحلام.
يدخّن قهوته السّوداء الّتي لا طعم لها إذ لا طعم ولا
رائحة إلاّ لسلطانة، وتدخن عصير البرتقال الّذي لا طعم له إذ لا طعم ولا رائحة ولا
لون إلاّ هو، يحرّك السكّر في الفنجان لحظة تحدّق سلطانة في الفقاقيع المتداخلة
المتوالدة من بعضها المنبثقة من أسفل الكوب إلى سطحه، تحني رأسها قليلا محتمية
بالصّمت من اللّهفة الّتي تشعّ من عينيه.. لحظات ثمّ ترفع رأسها وتحدّق فيه فيغمض
عينيه تحت جبروت نظرها.
يتلذّذ جمال العين.
تتلذذّ سلطانة حركة انكساره وخضوعه.
يتمدّد الوقت فيغادران المقهى.
داخل المكتبة الّتي امتلأت مجلاّت وصحفا وكتبا يتوقّفان
أمام الرّفوف.. كم كان يودّ أن يستنشق رائحة كلّ المنشورات ويتلذّذ ملمس كلّ ورقة
لكنّ حواسه تستيقظ فجأة.. أليس الإحساس بالورق خيانة لسلطانة فلا رائحة إلاّ رائحة
عطرها، ولا ملمس غير نعومة كفّها ورطوبته.. طالما هي بجانبه تقلّب المنشورات
وتستعرض الصّور والعناوين فلا وجود إلاّ وجودها.
يسيران على الرّصيف.. غدا يسافران، غدا أو بعد غد أو بعد
أسبوع، لا يهمّ إذا طال الوقت وتمدّد فسيدخّنانه على مهل وعلى مضض، سيشربان الوقت،
سيقتلانه ثمّ يحيينانه ثمّ يقتلانه إلى أن يحين الموعد المرسوم على ورقة مطويّة
وموضوعة بعناية في رفوف الغيب، إنّه يدرك ذلك وهي تدركه كذلك.. لا أحد يستطيع أن
يدرك كنه تلك الورقة، ولا أحد يتسلّل في غفلة منهما، نهارا أو ليلا، ليقف بينهما..
سيدخّنان الوقت إلى أن يحين الأجل وتتسلّـل الورقة خارج أدراج الغيب.
ككلّ صباح وقفت أمام المرآة تلامس أدوات زينتها.
ككلّ صباح أخذ يرشّ وجهه وثيابه بالطّيب الّذي تحبّه
سلطانة وتنتشي برائحته، بعد ذلك فتح الباب وحدّق في الأفق.. إحساس مفاجئ هزّه من
رأسه إلى قدميه.. ما للشّمس هذا اليوم غير شمس الأيّام الماضية! ما لحرارتها تزداد
لهيبا بينما اختفى بعضها تحت طيف سحابة! الشّمس ليست هي الشّمس، هل هي سحابة عابرة
أم هو الكسوف؟
فتحت شبّاك غرفتها.. ككلّ صباح نظرت إلى الصّفصافة وإلى
ما حولها.. السكون يخنق الأمكنة، حتّى الفضاء هجرته الطيور، حتّى النّسيم تلاشت
أنفاسه.. اليوم لا طيور ولا فراشات ولا رائحة زهور ولا عطر آت من أعماق الطبيعة
ولا طيب ولا سحاب ولا قوس قزح ولا أصوات دافئة ولا عصير تحتسيه على مهل وهي تدخّن
الوقت.
عبد القادر بن الحاج نصر
فيفري 2019
تعليقات