عجبي، حرائر بئر الحفي
![]() |
عاملات الفلاحة |
تأخذني اللّحظة الفاصلة بين الظّلمة الدّاكنة ونور الفجر إلى مغادرة المنزل والسّير في الطّريق راجلا أو راكبا السّيارة، ففي تلك اللّحظة تعترضني مشاهد من الواقع تأخذ بالألباب. وإنّني كذلك سائر وفي رأسي قلم وكرّاس وفي نبضي كتاب جديد أقرأه فآخذ منه ما يعيدني إلى حجمي الحقيقيّ ألا وهو أنّني حبّة تراب تذروها الرّياح في فضاء هذه المدينة وأريافها، وأنّني أصغر حجما ممّا أحسب وأقلّ شأنا ممّا تحدّثني به نفسي أحيانا.
أجل أصغر حجما وأقلّ شأنا هكذا يعود إليّ رشدي
وقد وقع نظري على مجموعة من النّساء والفتيات جالسات على الرّصيف أمام بناية لم
يكتمل البناء فيها.
نساء وفتيات ينتظرن وصول إحدى الشّاحنات
لتحملهنّ إلى فضاءات الحقول والمزارع يؤدّين عمل اليوم مقابل أجر ماديِّ يواجهن به
شظف العيش وقلّة ذات اليد.
جالسات منتظرات صابرات وقد تأتي الشاحنة وقد لا تأتي،
منكمشات بفعل وطأة البرد الّذي أخذ يشتدّ هذه الأيّام فيخترق الملابس الخفيفة
ويضرب في الأجساد.
تأتي الشاحنة: يقفزن إلى صندوقها الخلفيّ وينحشرن
كتفا على كتف ورجلا على رجل فإذا ما انطلقت الشّاحنة أخذت أجسادهنّ تنتفض مرتفعة
منخفضة جرّاء الحفر والأخاديد الّتي "تزدان" بها الطّريق "المعبّدة"
تحت رقابة مدير ووزير ونظام ائتمنته العامّة على مالها ومكتسباتها، حاضرها
ومستقبلها.
لا تأتي الشّاحنة: يتسلّلن واحدة بعد أخرى
سالكات طريق العودة خائبات محبطات كارهات للوضع الاجتماعيّ الّذي يزداد سوءا
ورداءة مع تضخّم حجم الفوضى واشتداد الانفلات والتسيّب وغياب القانون.
استوقفني هذه المرّة فيما استوقفني مشهد امرأة
شابّة جالسة تحت ضوء مصباح كهربائيّ تحمل بين أحضانها صغيرا لا يتجاوز عمره ثلاث
سنوات بدا خدّاه موّرّدين وعلى لون الورد مسحة أرجوانيّة، وحول الشّفتين
الشّبيهتين ببتلات زهرة ربيعيّة برّية لاحت زرقة بفعل الصّقيع.
الأمّ الّتي هي في عمر الورود تضمّ الطّفل إلى
صدرها بقوّة كلّما أماله التّعب يسارا أو يمينا أو انحنى إلى الأمام معيدة في كلّ
مرّة ترتيب الطّربوش الّذي يغطّي رأسه والمعطف الّذي يرتديه.
أمّ شابّة في عمر الورود تصحب، مُجبرة، طفلها في
عمر الزّهور لتلقي به مبكّرا في أتون الحياة حتّى تشحذ عزيمته وتوقد فيه شرارة الاستعداد
للمستقبل الّذي لا يعرف أحد شكله ولا لونه، لتعلّمه قبل نعومة الأظفار أنّ الدّنيا،
هذه الدّنيا العجيبة الّتي تحيط بنا، لن يصمد فيها إلاّ ذو ظُفر وناب ليواجه قسوة
الظروف وتردّي الوضع الاجتماعيّ وليختزن في ذاكرته الصّغيرة صورة أمّه وهي تعصف
بالرّيح الّتي تعصف بها وتغالب أسباب الإحباط الّذي يغالبها إلى أن يصبح الطّفل
والدّمعة على خدّه رجلا وهو في عمر الزّهور.
عبد القادر بن الحاج نصر
نوفمبر 2015

تعليقات