شهادة: أمّي.. أمّ الزّين
![]() |
عبد القادر بن الحاج نصر |
ما تزال
شظايا من صورتها في دمي.. عندما وصلنا خبر موتها وهي في منزل جدّي أتذكّر أنّ
أخواتي فزعن وجرين ولا أتذكّر هل حملتني إحداهنّ على ظهرها أم ركضت وراءهنّ، لقد
كنت صغيرا بين الرّابعة والخامسة من العمر ولم تبق في ذاكرتي إلاّ أجزاء من صور
قضيت كلّ حياتي أحاول أن أؤلّف بينها لأجعل منها لوحة متكاملة إلاّ أنّني لم أوفّق
في ذلك.
منزل جدّي
يبعد عنّا حوالي كيلومترين وبيننا وبينه أراض محروثة وأراض بور وبعض أشجار متفرّقة
من لوز وزيتون وصفوف من التّين الشّوكي ومنازل قليلة أغلبها مقام بالطّوب.
كم تراكمت
على منزل جدّي من أحزان، وجدّتي وجدّي كانا في ذلك الوقت على قيد الحياة، ولا شكّ
أنّهما غرقا في بحر من الدّموع.
أمّ الزّين
ماتت! المرأة التي خلّفت شبّانا وشابّات وأطفالا، المرأة الّتي كان الخير يجري على
يديها فتوزّعه وتهديه لكلّ من تزورها من جاراتها وأقاربها القريبات والبعيدات.
أمّ الزّين
ماتت!
لا أدري ولا
أتذكّر هل بكيت أم لا، كلّ الّذي أتذكّر أنّني وأخواتي فاطمة وتفّاحة ورمّانة
وتونس والجازية كنّا نشقّ الأراضي المحروثة وأنّ صدى العويل والبكاء والكلمات
الحزينة الّتي كانت تردّدها كلّ واحدة من أخواتي ما يزال يخفق في دمي.
ونسيت كلّ
شيء، نسيت ما جرى وما كان يجري في ساحة منزل جدّي، نسيت مشهد النّساء اللاّتي
جرّحن خدودهنّ والدّم الّذي لطّخ الصّدور، ونسيت مشهد حمل جثمانها على الرّقاب إلى
مقبرة القرية، نسيت وكم تمنّيت أن أتذكّر فأقرّب المشاهد إلى بعضها حتّى تصبح
شريطا متكاملا أعود إليه كلّما داهمتني الأحزان.
أمّ الزّين
لم تعد فوق هذه الأرض وإنّما تحتها.
الّذي أعرف
ممّا جاءت به الحكايات أنّ أبي كان يحبّها قبل الزّواج حبّا كبيرا وأنّه لم يظفر
بها إلاّ بعد صراع شديد وأنّه وإيّاها عاشا في نعيم الأرض، زيتونها ولوزها وكرومها
وقمحها وشعيرها وأغنامها، وأنّ أمّي كانت تعطي كثيرا ممّا أعطاها الله، وكثيرات
هنّ النّساء اللاّتي حدّثنني عن كرمها في ذلك الزّمن البعيد الّذي كانت أغلب
العائلات تعيش خلاله في خصاصة.
كانت أمّي
عندما يغضب أبي من أحد إخوتي، تغادر المنزل وتبني خيمة في أبعد نقطة من أرضنا
تسكنها مع المغضوب عليه أسابيع متعدّدة إلى أن تعود المياه إلى مجاريها بينها وبين
أبي.
أتذكّر أنّ
ساحة منزلنا كانت تعجّ أغناما وأنّها تخرج صباحا من الزّريبة لتسرح في المراعي
بينما تبقى خرافها في الزّريبة ولمّا تقترب في المساء عائدة إلى المنزل يعلو
ثغاؤها ويشتّد بفعل الحنين إلى خرافها، في نفس الوقت تبادلها الخراف الثّغاء في
سمفونية لا أجمل منها ولا أروع.
كم كانت أمّ
الزّين رائعة وهي واقفة تستقبل قطيع الأغنام.
أمّ الزّين
ذهبت دون رجعة!
لم يعد
بإمكان الطّفل الصّغير الّذي لم يدخل المدرسة بعد أن يراها ولا أن يأوي إلى حضن
الأمومة الّذي لا يماثله حضن وقد بقيت له منه بعض رائحة وبعض شظايا من صور.
أتذكّر أنّ
ليلة من اللّيالي صعد أبي وأمّي إلى سطح المنزل بفعل الحرارة الشّديدة وحملاني
معهما فهجمت علينا أسراب من البعوض فنزعت أمّي لحاف رأسها وغطّتني به ليحول بيني
وبين لسعات البعوض، ذلك اللّحاف مازال جسدي حتّى الآن يشعر بنعومته.
أتذكّر
أنّها أمرتني ذات يوم بأن آتي لها بقدح ماء فاستعصيت أو تلكّأت فصفعتني وما تزال
تلك الكفّ الّتي هوت على خدّي قائمة في خيالي لا تبرحه.
أتذكّر أنّه
كان لدينا، غالبا، ثلاثة أو أربعة كلاب للحراسة وأنّ كلبة من الكلاب الثّلاث كانت
تختفي تماما عن الأنظار عندما تنتقل أمّي إلى دار جدّي كلّما جدّ خلاف بينها وبين
أبي، ولا تعود تلك الكلبة إلى المنزل إلاّ لحظة عودة أمّي إليه.. غريبة تلك الكلبة
وغريبة تلك العلاقة العاطفيّة الّتي تربطها بأمي وغريب ذلك الوفاء الّذي تتميّز
به.
لمّا انتقلت
أمّي إلى الدّار الآخرة اختفت تلك الكلبة تماما ولم يرها بعد ذلك أحد.
ماتت أمّ
الزّين وخلّفت ألما في نفوس النّساء اللاّتي كنّ يزرنها فتهبهنّ الزّيت والسّمن
والقمح والشّعير والصّوف.
بعد أن رحلت
لا أتذكّر أنّ أهل جدّي، أخوالي وخالاتي، ظلّوا يزوروننا وهم الّذين كانوا عندما
يأتون إلى منزلنا يغادره أبي حتّى تتمكّن أمّي إعطاءهم ممّا تشاء قدر ما تشاء دون
حرج أو خوف.
كان أبي
شهما وكانت أمّي كريمة كلّ الكرم في زمن المحبّة والكرم.
رحلت أمّ
الزّين واختفت ملامحها من ذاكرتي إلاّ القليل منها، لكنّني ظللت أبحث حتّى يومنا
هذا عن حضن أمّ الزّين ورائحتها فما وجدت الحضن بينما بقي فتات من رائحتها.
عبد القادر
بن الحاج نصر
جويلية 2017

تعليقات