قصّة: عرجون الزّيتون
![]() |
عرجون الزّيتون |
قرأت الرّسالة على ضوء القمر، رسمت حركة امتعاض بشفتيها، طوت الورقة ودسّتها في جيبها.
قفزت فوق
ظهر الشّاحنة وجال بصرها بين الفتيات ثمّ غاص تحت الرّموش ولاذت بالصّمت.
كم هي داكنة
غابة الزّيتون؟
كلّما
اقتربت الشّاحنة من الغابة أخذت الزّياتين تتباعد عن بعضها فتتبيّن الفتاة مساحات
الفضاء الّتي تفصل بين زيتونة وأخرى. قفزت الفتيات من ظهر الشّاحنة وحطّت الأقدام
على الأرض.. أديم مغطّى بطبقة بيضاء من الجليد وسماء من فوقه زرقاء صافية تبعثرت
على صفحتها بقايا نجوم شاردة تبحث عن مستقرّ لها.
زيتونة
مباركة وإحساس مشترك بين الفتيات بالغبن والمرارة.
مدّت الفتاة
يدها نحو الغصن المنحني على الأرض، أمسكت في كفّها عرجون الزّيتون وانكمشت الأصابع
على الحبّات السّوداء تدفع بها نحو البساط الأخضر الفاتح الذي يحول بين حبّ
الزّيتون وبين التّراب.
تسلّلت
الشّمس من وراء سلسلة الجبال الدّائريّة وأخذ قرصها الأحمر يتسلّق الفضاء ببطء
شديد.
كفّاها
البيضاوان اللّتان تزيّنهما خطوط حنّاء تجذبان الغصن حتّى يكاد يلتصق بالصّدر
وتجوسان داخل الأوراق تضغطان وتواصلان الضّغط فيتساقط الزّيتون حبّا متراكبا،
تحدّق في البساط، يخترق نظرها الأغصان المنحنية ومنها نحو الأفق الذي تحدّه سلسلة
الجبال وتتربّع عليه شمس ما تزال أشعتّها تحّط على طبقات الجليد فيستعصي على
الذّوبان.
كانت طالبة متميّزة،
كانت كالبدر ليلة التّمام بين الفتيات.. كانت هناك في إحدى المدن الكبيرة تنتقل
كالفراشة في أروقة المعهد العالي متخّذة مكانها في الفصل كلّ يوم.
انتزعت
شهادتها وعادت إلى أمّها "فرحة مسرورة" كأطفال المدارس الابتدائية.
أطلّت
الأشعّة من خلال الأغصان الدّاكنة، لامست ظاهر يديها وكفيّها، خفق قلبها وانفرجت
ملامح وجهها، سوف تنتصر الشّمس بعد قليل على آفة البرد القارس وستسري الحرارة في
الأصابع المتجمّدة.
كم هي بيضاء
عاجيّة مصقولة هذه الأصابع!
ما أروع
سنوات الجامعة، أروقة عريضة وطلبة يغشون الأقسام وخوف في العيون من فروض المراقبة
وامتحانات آخر السّنة. في المقهى المحاذية لمبنى المعهد دفء وحرارة وقهوة ساخنة.
تساقطت
الأشعّة على الأصابع فنشطت الأيدي بين الأغصان وانهمر حبّ الزّيتون ليخفق الزّيت
داخل حبّات الزّيتون الّتي بدت كأنّها كواكب دريّة.
عرّت الفتاة
رقبتها للأشعّة ثمّ سرعان ما غطّتها اتّقاء نسمة باردة آتية من أعماق الفجاج
المترامية.
مدّت يديها
متأمّلة ظاهرهما.. جروح صغيرة، نقط حمراء، حبّات دم متجمّد ملتصق بالبشرة.
تمّزق
الجليد تدريجيّا وأصبح أليافا أليافا.
وارفة ظلال الزّيتونة،
ابتعدت الفتاة عن الظّلّ وتوقّفت في مواجهة الشّمس، الأشعّة تتراقص فوق ألياف
الجليد كالشماريخ النّاريّة الّتي أطلقتها العائلة في الفضاء احتفالا بالشّهادة
الكبرى بعد أن انتظرتها سبع عشرة سنة.
زقزقت العصافير.
ارتفعت أصوات
الفتيات بالغناء.
انتشرت
رائحة الشّاي في الأرجاء، دارت الكؤوس تجلّلها حبّات "الكاكاويّة"
امتلأت الأكياس كيسا بعد آخر ورُبطت رقابها وأسند بعضها على بعض.
تنهّدت
الفتاة فالتقت تنهيدتها بزفرات متعالية من حولها.
وقف الرّجل
يعطي كلّ واحدة أجرة يومها، شدّت الفتاة على ورقة العشرة دنانير وتأملّتها كأنّما
تراها لأوّل مرّة، لاحت أمامها ورقة الشّهادة الجامعيّة التي توّجت سبع عشر سنة من
الدّراسة.
هل تضع ورقة
العشرة دنانير في إطار مذّهّب كما وضعت الشّهادة الجامعيّة من قبل؟ هل تطويها
وتلقي بها في أحد جيوبها كما ألقت بورقة الشّهادة بعد حين في إحدى زوايا البيت؟
صعدت ظهر
الشّاحنة وانحشرت وسط الفتيات.
على عتبة
المنزل مدّت لها الوالدة رسالة مختومة بالختم الإداريّ، ارتعشت أصابعها، مزّقت
الغلاف وتأمّلت مبتسمة ابتسامة مرّة: "نأسف لعدم الشّغور."
طوت
الرّسالة ووضعتها فوق أخواتها.. عشرات على عشرات تلقّتها على امتداد ستّ سنوات
فتكدّست وتعفّنت وذاب حبرها.
ضمّت
الرّسائل إلى بعضها.. حزمة من الأحزان والإحباطات، سارت بعض خطوات، توقّفت أمام
موقد الطّابونة ورمت بها إلى الجمر المتّقد، مدّت كفيّها تدفئهما بالنّار الملتهبة
وأغمضت عينيها.
عبد
القادر بن الحاج نصر
ديسمبر
2015

تعليقات