طريـــق الحــاخـــام
![]() |
طريق الحاخام |
مدّت يدها أمامها.. الظّلام يغشى الجسر، ينفرج الأفق حين يسطع القمر، القمر يختفي، واللّيل تشتدّ وطأته.. خمسة عشر سنة وراءها.. شجرة الورد اليانعة المزهرة ألقت بورودها تحت الأغصان فنثرتها الرّيح على فضاء السّاحة.. متردّدة منكمشة ذابلة.. خطواتها على الجسر تغالب المسافة ولا تهتمّ بالأعالي ولا بالأسافل.. ألقت فولارتها وتخلّت.
مرّت الشّاحنة الثّقيلة بجانبها فرمتها بحجر ثمّ بحجر.
الخمسة عشر سنة لم تمسح دمعتها، لم ترفع إبريق الماء لتروي عطشها.. قبل الارتماء
في الخارج وقبل مغادرة المنزل.. الغصّة تنتفض في صدرها، تنحبس في الحنجرة، تتفجّر
غصّة أخرى ثمّ تنطفئ.. لا تبالي.. تجاوزت الألم والخوف.. لم تلتفت.
كانت قد فتحت الباب وارتمت في فضاء اللّيل.
لن تنحني شجرة الورد على ورداتها.. الوردات الخمسة عشر انفرطن من الأغصان
والأغصان انفرطت من الجذع والجذع ذوت عروقه تحت التراب وفوقه.
فتحت الباب.. أغلقت الباب.
بردت الدّمعة على الخدّ.. تحت الدّمعة أخرى.. دمعة ترقرق ماؤها وتورّد واحمرّ.
كانت قد وقفت وحدّقت في اللّحية البيضاء.. تحوّلت البراءة إلى سؤال.. لماذا
يا ترى أخذت ملامح والدها والوجنتان والجبين والأنف من ملامح الشّاحنة الكبيرة الضّخمة.
لمّا تجرّأت وسألت كان وراء السؤال بهتة.
- لمن كلّ هذه الخضروات والغلال.. تفّاح وإجّاص وخوخ ورمّان.. خيرات العرب؟
كان الوالد أجابها بكلمات جرحتها.
- إلى الأصدقاء في المستوطنات.
- لا شكّ أنّك تمزح.. إنّها للمهجّرين من بيوتهم في غزّة.
وجّه لها نظرة كاسرة.
- ادخلي واغلقي الباب.
ظلّت تحدّق في الشّاحنة الّتي تشبه عربة قطار.
- إذن فالسائق يكذب.. كان يقول إنّ الشّاحنة ستتوجّه رأسا إلى المعبر؟
وضع يديه الغليظتين على كتفيها وضغط بقوّة.
- أحيانا تتغيّر المسارات.. نحن نؤدّي البضاعة حيث تأمرنا السّياسة.. إلى
المستوطنات، إلى بيوت الحاخامات، إلى البحر.. سياسة، ما شأنك والبضاعة؟
انتفضت فسقطت يداها عن كتفيها.
- لكنّ الحاخامات يخرجون الجثامين من القبور، ينتزعون الأعضاء الحيويّة ثمّ
يرمون بالجثامين في السّاحات للقطط والكلاب.. أما رأيناهم معا على شاشة التلفاز!
إنّهم يؤدّون رقصات شيطانيّة فوق الجثث.. لقد سمعتك تقول لأمّي إنّ الجنود يقتلون
الأطفال ويتبوّلون على وجوههم.
أمسك برقبتها بقوّة.
- اصمتي.. اصمتي.. أنا لم أقل شيئا وأنت لم تسمعي شيئا.. المسارات تحدّدها
السّياسة.. السّياسة شأن الحكّام لا شأن الشّعوب.. الحاكم يعرف ماذا يفعل ولمن
يرسل البضاعة.
- لقد سمعتك تقول إنّك أقسمت على المصحف.. لن تخون التاريخ!
أنشب أظافره في رقبتها.
- الآن لا كلام إلاّ ما يقوله الحاخامات.. كان ذلك زمنا وكانت مسارات.
تكوّمت الخمسة عشر سنة.. انكمشت، ذبلت حتّى انفجرت.
- أبي هل أنت تعمل عند الحاخامات؟
زحف نحوها.. سحب مسدّسا ووجهه إلى صدرها.
- أصمتي يا ابنة الكلب.. لا تفضحينا.
عصف بها الغضب.. خرجت العبارة من حنجرتها صيحة مجروحة.
- لا.. لا أظنّك خائنا.. لا يمكن أن يكون أبي خائنا.. أمّي تقول لي أبوك سيّد
الرّجال.. يشهد له بذلك وادي عربة.
قبض على ساعدها، جذبها نحوه، دفعها بعيدا عنه، أسقطها، داس على رقبتها.
- تغيّرت المسارات لكنّ أباك أسد وسيظلّ أسدا رغم المسارات.. أبوك أمين
عليك وعلى أمّك وعلى الجراء الّذين خلّفتهم.. مسارات أن أعمل عند الحاخامات..
الحاخام سيّدي وسيّدك هو الّذي يضع سلسلة في رقبتي ويحرّكني.. هكذا قالت المسارات..
عليّ الانتظار.. أنحني أتلقّى الأوامر.. أليست صحارى العرب يا ابنة الكلب قد
التهمها الحاخامات، وكلّ الكراسيّ المكسورة يتربّع فوقها سادة جلدتنا.. مسارات..
عملاء مبثوثون على الكراسيّ ينتظرون الأوامر.. أنا مشدود بسلسلة إلى الكرسيّ
والكرسيّ مشدود إلى حلقة حديديّة في باب الحاخام.. أرض عمر عند الحاخام شجرها
ومياهها.. أرض عمر وعثمان والمعتصم وابن الوليد.. المساجد تباع والعقود تنام تسوّى
في أدراج الحاخام الأكبر مسارات.. مجنونة أنت وجاهلة وعاقّة.. من هو يا ترى أبوك؟
من أنا حتّى لا أقف حارسا على حمولة الخضروات والغلال!
ابتعدت زاحفة، حدّقت مشدوهة.
- لا.. أنت لست خائنا.. أنت أسد ابن أسد، عربيّ ابن عربيّ.. الأسد لا يتحوّل
إلى جرو في رقبته سلسلة موثوقة إلى حلقة في باب بيت الحاخام.. أرجوك.. قل إنّك لست
خائنا.
فتح باب الغرفة ورمى بها في الدّاخل.
- سترين كيف أؤدّبك، سأعلّمك كيف تمشين في المسارات، سأمزّق قشرة دماغك
وأحقنه بفنون المسارات.. أما استبدل العرب علوم الجبر والهندسة والفلك والطبّ
والبحار بعلم المسارات.. ماذا أفعل أنا يا ابنة الكلب؟ داس على رقبتها وصدرها
وساقيها.. أنّت أنينا موجعا وهمدت.
نام أهل البيت.
أزيز الشّاحنات المحمّلة خضرا وغلالا وأشياء أخرى.. نام اللّيل على الطّريق
الطّويلة الآتية من البعيد تشقّ صحارى وبراري وأودية.. أضواء الشّاحنات سطعت في الأفق..
شاحنات عملاقة كالقطارات على ظهورها وفي بطونها سمك البحار والأنهار، واللّحوم
ودنان الحليب ودنان الخمور.
الخمسة عشر سنة فتحت الباب الخارجيّ ثمّ أغلقته.. امتلأت رئتاها بدخان الشّاحنات..
غسلت وجهها بماء دموعها، سارت على الطريق الآتية من أعماق الصحارى المتّجهة إلى
ساحة بيت الحاخام.
*****
اللّيل غابة محروقة.. الطّريق جسر آت من النّهاية ومبحر إلى اللاّنهاية..
ضربت بقدميها الحافيتين على الحصى والقطران.. رقصت، غنّت.
مسارات.. الدّنيا مسارات.. تاهت بهما المسارات.. فليتفجّر دم قدميّ أنهارا
على الأسفلت.. حين تستيقظ الشّاحنات وسوّاق الشّاحنات وتطلّ الشّمس حزينة بائسة
على المزارع سيشاهد سوّاق الشّاحنات الثّقيلة دم قدميها الحافيتين كالجروح
المفتوحة على القطران.. الطّريق إلى ساحة الحاخام مرشوشة بالقطران، معمّدة بدم
الصبيّة.. الصبيّة ضربها أبوها، أمرها أن تغمض عينيها ولا تفتح فمها بكلمة ماذا
تفعل بالشّفتين الطّريّتين المتفتّحتين للنّسيم.. لا أحمر شفاه، ولا قبلة، ولا
كلمة حبّ.
الخمسة عشر سنة أغمضت عينيها فلن ترى شيئا.. رقصت، غنّت.
«دمي، دم قدميّ الحافيتين جروح حمراء على قطران الطّريق.. أبي والمسارات..
أنا راحلة.. راحلة أسير على دم قدميّ الحافيتين وعلى القطران.»
رقصت، دارت، لا شيء يريح الجسد غير الرّقص على قدم واحدة، على قدم ونصف..
الرّاحلة تنثر دمها بين المسارات.
* * *
استفاق مذعورا.. الخمسة عشر سنة نائمة فَلْتَنَمْ.. زمجرت الشّاحنات في
الخارج.. ضرب برأسه على الحائط.. مسارات.. حلق لحيته وحدّق في المرآة.. مسارات..
رشّ الطّيب على وجنتيه وذقنه.. جذب نفسا طويلا ودون أن يدري انتفض.. ما الّذي حدث
داخله.. مسارات.. مسارات وادي عربة.. مسارات صحراء سيناء، مسارات مرتفعات
الجولان.. فتح باب الغرفة برفق.. الغرفة خالية من الصبيّة.. جنّ جنونه.. اختطف
البندقيّة.. مسارات.. خائن.. لا لست خائنا.. متى كان فارس الأيّام الخوالي خائنا..
الجروح في الكتف والصّدر شاهدة.. مسارات.. مشى على طريق الشّاحنات الثّقيلة.. بعض
خضروات وغلال ملقاة على حواشي الطّريق الآتية من بطن الصّحارى المتّجهة إلى ساحة
بيت الحاخام.. جرى.. سوف أدركها قبل أن تجفّ دموعها، ويتجمّد دمها وتسقط على حاشية
الطّريق.. مسارات.. يا فارس الزّمن الجميل.. مسارات.
* * *
تعثّرت الخمسة عشر سنة.. مازال بعض دم يقطر من القدمين كقطرات متبقّية من
سحاب راحل.. غنّت.. مازال في الصّوت بحّة.. رقصت.. مازال في القدمين بعض جنون..
نضب الحبّ.. مسارات.. رقصت وغنّت:
«الخمسة عشر سنة غزالة مذبوحة.. كم ذبح الآباء من غزالات.. مسارات.»
* * *
سوف أدركها رغم التواءات الطّريق.. هذا دم غزالتي، أميرتي، كم غزالات
دهستها عجلات الشّاحنات.. مسارات.. تموت الغزالات عطشا وجوعا والغلال على ظهور الشّاحنات
والمياه المعدنيّة والخضروات ترفرف أوراقها الخضراء.. مسارات.. يتناثر دم الغزالة
يروي طبقة القطران.. مسارات.
* * *
شاح ريق الخمسة عشر سنة وسكن ونبض الدّم.. العطش مسارات والجوع مسارات..
تموت الغزالة.. تبتعد الشّاحنات مضاعفة السّرعة أضعافا فالحاخامات ينتظرون وابنة
فارس الزّمان لم يبق منها غير قطرات توشّح القطران.
*****
توقّف.. مسح العرق.. وجّه السّلاح إلى صدره.. طلقة فطلقات انهالت على فارس
الزّمان.. من الّذي قتله يا ترى؟ هل انطلقت الرّصاصات من ورائه أم من أمامه.. سقط
سلاحه.. سقط فارس الزّمن الجميل.. قبل أن يغمض عينيه شاهد سلاحه ملقى بجانبه وبعض قطرات
دم وبعض قطران.. بعض من بعض مسارات هذا الزّمن.. قبل أن يغمض عينيه شاهد الصبيّة -
الخمسة عشر سنة - تقترب منه.. مسارات.. مقبلة زاحفة على ركبتيها من طرف الطّريق.. ليتها
تصل إليه، ليتها تطبع قبلة على جبينه في طعم الزّمن الجميل.
*****
نزل غشاء أسود عن العينين فانطفأ النّور وسكن النّبض.
مسارات.. لن يراها، لن يذوق طعم قبلتها على جبينه.
يا ابنتي مسارات.. يا الطّالبة الجميلة مسارات.. يا المتفوّقة مسارات.. يا
الملائكة الحنون مسارات.. خانك أبوك نعم أنا أبوك لكنّها مسارات.
عبد القادر بن الحاج نصر
مارس 2024

تعليقات