مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة
![]() |
رواية حديقة لكسمبور |
وضعت حقيبتي عند أحمد ممّو وانصرفت
مسرعا.. عليّ أن أسير في شارع جردون وعليّ أن أغمض عينيّ مسافة بعد أخرى حتّى لا
يطوف الحزن على نفسي.. تلك الأشجار الخضراء أراها عارية، رمادية الجذوع، متشابكة
الأغصان تحزنني وتلتفّ على كبدي فتعصرها عصرا.
إنّه شارع ككلّ الشّوارع العريضة
الطّويلة لكنّني لست أنا في كلّ ساحة وفي كلّ منعطف وفي كلّ حديقة.. أنا طيف
هلاميّ دخانيّ، ذرّات يدفعها الحريق وينشرها في كلّ الأرجاء.
تبلوني الأطياف السّوداء في كلّ
الأمكنة والأزمنة، يربكني التّفكير في العودة إلى بلدي، كم سأظلّ باحثا عن مأوى،
كم سأظلّ منحني الرّأس أتكلّم كأنّني أتأتئ، أبادل النّظر الآخرين كأنّني أخفي
عاهة في البصر.
لكن، ها أنا سأقضم من أيام النّحس
قضمة إثر أخرى، أتحدّاه وأسخر منه هذا الزّمن الرّديء.. في غمرة التّعب يدغدغني
إحساس بالسّعادة إذ أمّنت مبيتا وسأتطاوس أمام حبيب النّازيّ، سألج الدّار هادئا
مطمئنّا، الدّار لي كما هي للآخرين.. ألست في حماية صديقي أحمد ممّو.
عليّ أن أسرع نحو محطّة المترو فلديّ
امتحان مهمّ في مادّة الموسيقى الّتي حضرت دروسها كمادّة اختياريّة تحتسب كوحدة من
وحدات الإجازة.. لقد درسنا خلال الأسابيع الماضية أغلب مواصفات الآلات الموسيقيّة
الّتي تستعمل في إيران والهند وباكستان ضمن برنامج منظومة الموسيقى.
أستاذنا فرنسيّ مهذّب ولطيف ودائم الابتسامة.
لم أكن أكثر من متوسّط، الآلات
الموسيقيّة كثيرة ومختلفة الأحجام والأشكال.. لكنّني أقنعت نفسي بأنّ الأستاذ
الفاضل سوف لن يخذلني إذا ما عجزت عن التّميّيز بين الآلات وأصوات الموسيقى وإذا
ما تلكّأت في الإجابة أو عجزت عنها.
جلست بجانب محمود فرج في قاعة الامتحان
الشّفاهيّ وأخذت أتصفّح رسوم الآلات الموسيقيّة واحدة إثر أخرى ولمّا اختلطت
وتشابهت التجأت إلى محمود فرج أهمس بحذر شديد:
- ما اسم هذه المصيبة؟
نظر إليّ ممتعضا ولم يجبني.
وقفت أمام الأستاذ مرتجفا.. كنت طويل
القامة نسبيّا وهو قصير نسبيّا.. رفع رأسه نحوي كأنه يتأكّد هل الممتحن هو أنا
حقّا أو واحد آخر.. ابتسم وفتح سجلاّ عليه رسوم الآلات الموسيقيّة، وضع إصبعه على
إحداها فذكرت له اسمها وخاصيّتها بسرعة قياسيّة.
رفع رأسه من جديد وتأمّلني وقد
ارتسمت الغرابة على ملامحه.. أشار بإصبعه إلى رسم ثان وهو يحدّق فيّ فأجبته دون
تردّد عن اسمها وميزتها.
لا يتصوّر أحد أنّني انتزعت أعلى عدد
حصلت عليه سابقا في مادّة دراسيّة.. ثمانية عشر من عشرين، يا للعجب.
لا أحد من الممتحنين ارتقى إلى
مرتبتي إذن فلي مستقبل في عالم الموسيقى والطّرب!
سألني محمود فرج عن السّرّ في
التّميّيز غير المنتظر بين آلات الموسيقى فأجبته ضاحكا:
- إنّه حظّي يا محمود، حظّي أراد هذه
المرّة ألّا يخذلني.. كنت قبل الوقوف أمام الأستاذ أورّق الكرّاس وأستعرض الرّسوم
بحركات جنونيّة.. آخر ما وقع عليه بصري الآلتين الموسيقيتين اللّتين امتحنني فيهما
الأستاذ.
لم أهتّم بوضعي في الغرفة الضّيقة
حين عدت إلى دار تونس.. أين سأنام وماذا سأفترش وبماذا سأتغطّى والمحيط شديد
البرودة ليلا.. المهمّ أنّ قلبي ظلّ يخفق طمأنينة منذ أن وضعت الحقيبة بجانب خزانة
الملابس، والمهمّ أنّ حبيب النّازيّ سينظر إليّ كلّما مررت أمامه فيتنهّد دون أن
يقول شيئا.
في غرفة أحمد ممّو حصيرة صغيرة يضع
عليها قدميه حين يجلس على السّرير استعدادا للنّوم وحين يتهيّأ لمغادرة الفراش.
مكّنني أحمد ممّو من الحصيرة فهي لي
أنام عليها كما ينام الأشقياء أو القطط أو الزّواحف، المهمّ أن الفقير جاد بما
عنده.
أفترش الحصيرة - ما أروعها - أضع
فوقها شطر بطّانية الصّوف الّتي أحملها في الحقيبة - ما أروعها - وألفّ شطرها
الآخر فوقي - ما أروعها -.
استغرقت في النّوم ليتي الأولى كما
ينام الأطفال.
عبد القادر بن الحاج نصر

تعليقات