رجل من بئر الحفي، فرانكو المرّوكي

كتاب: رجال من بئر الحفي

 
رجل مرّ بهذه القرية، استقرّ فيها زمنا طويلا ثمّ رحل عنها بعد أن أدّى مهمّته على أحسن ما يرام وقد ترك في الذّاكرة الجماعيّة صورة الحارس الوفيّ الّذي لا تنام له عين.

من أين أتى؟ من أيّ بلد؟ لا أحد من الأهالي يعرف ذلك بالتّحديد، لكنّه ممّا لا شكّ فيه أنّه أصيل المغرب الأقصى ويقول البعض إنّه شارك في الحرب الإسبانيّة تحت راية فرانسيسكو فرانكو الّذي حكم إسبانيا بالنّار والحديد وقد اكتسب كنيته هذه من اسم الجنرال فرانكو.

عهد إلى فرانكو المرّوكي بحراسة القرية فكان أّوّل حارس لها سرعان ما أنس إليه الأهالي وأحبّوه وائتمنوه على دكاكينهم ومنازلهم فلم يشهد الأهالي طيلة تولّيه الحراسة عمليّة سطو أو سرقة.

كان فرانكو يتسلّم أجرة الحراسة من أصحاب الدّكاكين.

يقوم فرانكو كلّ مساء بأكثر من جولة أمام الدّكاكين وحول المنازل يتفحّص المارّة وحلقات القرويّين الجالسين حول الكانون الملتهب جمرا يتبادلون الآراء ويحتسون الشّاي الأحمر.. يتفحّص فرانكو الوجوه ليتبيّن فيما إذا كان هناك غريب يدعو إلى الرّيبة والشّك ليقرأ له ألف حساب.

حين يخيّم الظّلام يعّلق فرانكو في طرف القرية الجنوبيّ حيث الحنفيّة العموميّة قنديلا يضيء من حوله مساحة مهمّة، ويعلّق في الطّرف الشّمالي قنديلا آخر ثم يحمل على كتفه بندقيّة وفي اليد عصا غليظة ذات رأس مكوّرة تسمّى "الدّبّوس".

يظلّ فرانكو يذرع القرية ليلا ذهابا وإيّابا فلا أحد يتجرّأ على القيام بعمل مشبوه، ولا أحد يتجرّأ على التّنقّل أثناء اللّيل إلاّ لحاجة ملحّة فعين الحارس الأمين لا تنام.

إلى جانب الحراسة ليلا تسوّغ فرانكو دكّانا اتّخذه مقهى يفتحه نهارا يعدّ فيه القهوة والشّاي ويستقبل فيه هوّاة لعبة الورق.

قضى فرانكو المرّوكي سنوات ليست بالقليلة كان خلالها صديقا لكلّ الأهالي الذّين يرون فيه الحارس الأمين والرّجل المهاب الّذي يجعل كلّ من تحدّثه نفسه بالاعتداء على الأملاك العامّة والخاصّة يفكّر ألف مرّة قبل الإقدام على ذلك إذ أنّ العصا الغليظة "الدبّوس" والبندقيّة في انتظاره وفرانكو لا يهاب أحدا ولا يتردّد في استعمال قوّة النّار للرّدع إذا اقتضى الأمر ذلك.

ظلّ فرنكو المرّوكي بعد الاستقلال قائما بمهمّة الحراسة إلى أن وضعته الصّدفة أمام امرأة مرّوكية كانت متزوّجة من رجل أصيل إحدى القرى المجاورة وانفصلت عنه بسبب خلاف حادّ بينهما فتزوجها فرانكو ثمّ انتقل بها إلى مدينة سيدي بوزيد.

منذ ذلك الحين غاب فرانكو عن الأنظار وانقطعت صلته بأهل القرية كما انقطعت أخباره فلا أحد يعرف عن حياته شيئا ولا هو عاد مرّة أخرى إلى قرية بئر الحفي.

أمّا صورة فرانكو الحارس الأمين، أوّل حارس، فظلّت راسخة في ذاكرة الأهالي، كما رسخت في ذاكرة أطفال السنوات الأولى للاستقلال.

إنّه فرانكو المرّوكي القصير القامة ذو الكتفين العريضين والجسم الممتلئ، صاحب اللّحية الكثّة البيضاء والبندقيّة والدّبّوس والقنديلين اللّذين يعلّقهما ليلا في طرفي القرية جنوبها وشمالها ليعود بهما إلى منزله صباحا.

رحل فرانكو المرّوكي بعد عشرة طويلة وبقي حاضرا في الذّاكرة كأنّه لم يرحل إلاّ بالأمس القريب.

عبد القادر بن الحاج نصر

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

دمعة على خدّ النّاقة

وجهة نظر مغاربيّة في كتاب: "من أوراق صحفيّ شماليّ "لــ: ثامر سودي قمقوم

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الصّيدلة والأدب