رواية حديقة لكسمبور صدرت في 2021 وضعت حقيبتي عند أحمد ممّو وانصرفت مسرعا.. عليّ أن أسير في شارع جردون وعليّ أن أغمض عينيّ مسافة بعد أخرى حتّى لا يطوف الحزن على نفسي.. تلك الأشجار الخضراء أراها عارية، رمادية الجذوع، متشابكة الأغصان تحزنني وتلتفّ على كبدي فتعصرها عصرا. إنّه شارع ككلّ الشّوارع العريضة الطّويلة لكنّني لست أنا في كلّ ساحة وفي كلّ منعطف وفي كلّ حديقة.. أنا طيف هلاميّ دخانيّ، ذرّات يدفعها الحريق وينشرها في كلّ الأرجاء. تبلوني الأطياف السّوداء في كلّ الأمكنة والأزمنة، يربكني التّفكير في العودة إلى بلدي، كم سأظلّ باحثا عن مأوى، كم سأظلّ منحني الرّأس أتكلّم كأنّني أتأتئ، أبادل النّظر الآخرين كأنّني أخفي عاهة في البصر. لكن، ها أنا سأقضم من أيام النّحس قضمة إثر أخرى، أتحدّاه وأسخر منه هذا الزّمن الرّديء.. في غمرة التّعب يدغدغني إحساس بالسّعادة إذ أمّنت مبيتا وسأتطاوس أمام حبيب النّازيّ، سألج الدّار هادئا مطمئنّا، الدّار لي كما هي للآخرين.. ألست في حماية صديقي أحمد ممّو. عليّ أن أسرع نحو محطّة المترو فلديّ امتحان مهمّ في مادّة الموسيقى الّتي حضرت دروسها كمادّة اختياري...
دمعة على خدّ النّاقة النّاقة.. تلك ال ّ تي رأيتها تحمل أكياس القمح، كيسين كلّ مرّة، واحدا على اليمين والثّاني على اليسار تشدّهما فوق ظهرها يدا أبي القويّتان.. تنهض النّاقة وتسير بحمولتها حيث تشاء المسافات. وهي تسير ورأسها مرفوعة كرأس ملكة يسبقها ابنها تارة، وتارة أخرى يتأخّر عنها، وأكثر الأحيان يقترب منها ويلتصق بها، يرسم خطواته على نسق خطواتها، ويجعل رأسه الصّغيرة بالقرب من رأسها محاولا أن يطاولها فإذا ما أدرك أنّه كاد يبلغ غايته ولن يبلغها أطلق رغاء شبيها بضحكة الانتصار. النّاقة وولدها يتبختران في الطّريق بين القرية ومنزلنا، ويسير أبي تارة وراءهما يحثّهما على السّير وتارة أخرى أمامهما يحدّ من اندفاعهما. في ساحة المنزل تبرك النّاقة فتتحرّر من حملها الثّقيل ثمّ تستعجل الذّهاب حيث ينتظرها العلف. كلّما نظرت إليها داخلني زهو بأنّها أجمل من نوق العشيرة كلّها، إنّها سيّدة النّوق وملكتها، بيضاء شهباء عالية، وبرها نظيف ساطع، خدّاها صافيتان كصفاء ماء الغدير الّذي تغرف منه النّساء ليغسلن الصّوف الّذي يصنعن منه فرشا وأغطية وألبسة. استوى ولد النّاقة، كبر، أصبح "شبلا" جميلا ت...
المقال من كتاب: وجهة نظر مغاربيّة حول إبداعات سعوديّة نشر في 2021 عن النّادي الأدبيّ الثقافيّ بعرعر بالحدود الشماليّة - المملكة العربيّة السعوديّة كتاب بدأت قراءته فشدّني ولم أستطع طيّ صفحاته إلاّ عندما أتيت على آخر كلمة فيه. الكتاب يحمل عنوان "من أوراق صحفيّ شماليّ" للأستاذ ثامر سودي قمقوم في مائة وستّة وأربعين صفحة من الحجم الكبير توزّعت محتوياته على قسمين الأوّل بعنوان "الأوراق الحياتية" وتضمّن سبعة وعشرين مقالا والثّاني "الأوراق الإعلاميّة" وفيه ثلاثون مقالا. تولّى نشر الكتاب نادي الحدود الشماليّة الأدبي سنة 2011 بمدينة عرعر -المملكة العربيّة السعوديّة. - هل هي مقالات هذه التي قرأتها واستمعت بشكلها ومضامينها، أم هي من جنس الخاطرة، أم تراها قصص أدبيّة رواها مؤلّفها بأسلوب العاشق الوفيّ الذي أراد أن لا يطوي النّسيان أهمّ مراحل حياته وما حفلت به من أحداث عاشها أو شاهدها في الصّغر والشباب والكهولة؟ إنّها كلّ ذلك مجتمعة، وهي ثريّة غنيّة تهب القارئ المتعة والفائدة والعبرة.. نعم إنّها كذلك فاقرأ لتصدّق خاطرة "سيليّة عرعر والبراميل" التي ت...
القصّة من المجموعة القصصيّة: سيّدة شرقيّة جدّا نادي الحدود الشّماليّة السّعودي 2021 وضع عبد الله على الشّاحنة "بالات" الأعلاف الجافّة، سوّاها، ألقى نظرة فاحصة على الحواشي، أحاطها بطبقة من البلاستيك الأصفر وشدّها إلى جوانب الشّاحنة بحبال غليظة. فرش زربيّة واستقبل القبلة، أدّى صلاة الصّبح وبسط كفّيه كعادته بالدّعاء.. أمسك بالمقود وأشعل الأضواء الكاشفة فبدا المسلك الّذي يصل الضّيعة بالطّريق العامّ ضيّقا وملتويا.. أزّت العجلات على الحصى وترجرجت الشّاحنة تحت ثقل الحمولة. بعض الغيوم الماطرة في أقصى الشّمال، سوف لن تدركه قبل أن يصل إلى السّوق الأسبوعيّة، ولعلّ الرّيح تسوقها نحو البحر فتتلاشى. ما أشدّ على سوّاق الشّاحنات السّفر في الأيّام الماطرة! **** أبي ذهب وسيعود. ككلّ مرّة يسافر بشاحنته عند طلوع الفجر إلى أسواق الدّوابّ البعيدة ينطلق عائدا بعد أن يفرغ حمولته ليدرك صلاة العشاء في المنزل. أبي جنديّ الظّلام، هكذا يسمّونه، حين يصل إلى ساحة المنزل يطفئ محرّك الشّاحنة، يدور حولها، يتفقّد العجلات، يتوقّف على عتبة الباب يودّع الشّاحنة بنظرة في منتهى العشق. يعشق أبي شاح...
غلاف كتاب: "فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي صديق عزيز، قامة عالية في الثقافة والعلم، مجتهد، صبور، منكب على البحث العلميّ، بل لنقل البحوث والدراسات العلميّة، محدّث بارع، له من لطف العلماء كلّ اللطف ومن أريحيّة في محبّة الوطن والناس والواجب بما تشتمل عليه كلمة أريحيّة من معنى.. لا همّ له إلاّ التفكّر والتفكير والتعمّق في فهم ما يحيط به وما يحيط بنا في مجالات عمله ليقدّمه ويشرحه ضمن دراسات ليس في متناول أيّ دارس أن ينجزها.. يلج بنا عالما تنطلق فيه المسارات البحثيّة من: - سؤال فينومنولوجيّ عن ماهيّة الأمن وجوهره في ظلّ توسّع مشهديّة العنف اليوميّ وارتفاع حالات اللاّ أمن وما يرافقها من سخط عامّ مشترك هدّدت تفاصيل المعيش وقوّضت معاني السلم الاجتماعيّ واستهدفت أساسا الكرامة. أقول له - صديقي د. رمزي المحواشي - شكرا موصولا وهنيئا لك بهذا العمل، وهنيئا للجامعة التونسيّة بالأطروحة المتميزة، وهنيئا لكلّية الحقوق جون مولان 3 بفرنسا الّتي استقبلتك في رحابها طالبا في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، وأخيرا هنيئا لدوائر عملك بك وبهذا الفيض من ال...
من يصدّق؟ صيدلانيّة مفتونة بمطالعة الرّواية. دخلت الصّيدليّة.. حدّقت في متعجّبة.. سيّدة شابّة مهذّبة. سألتني: ألست كاتبا؟ قلت: نعم. قالت: أيّ نوع من الأنواع تكتب؟ قلت: الرّواية والقصّة والمسلسل التّلفزيونيّ وكتابات أخرى. ارتسم الفرح على ملامحها وقالت إنّها عاشقة للرّواية باللّغة الفرنسيّة وطالعت روايات كثيرة ومنذ مدّة انكبّت على مطالعة الرّواية العربيّة.. التّونسيّة تحديدا.. وإنّها أخذت تعدّ أبناءها وهم في عمر الورود لقراءة القصّة والرّواية باللّغة العربيّة وقد نشأوا على اللّغة الفرنسيّة. قلت: سأهديك رواية. كانت فرحتها عارمة بينما كانت فرحتي أكبر من فرحتها.. صيدلانيّة.. أستاذة في علم الصّيدلة تهتمّ بالأعمال السّرديّة.. مفاجأة عظيمة. بين قضاء شأن وتوجّهي نحو باب الخروج استوقفتني وناولتني مغلّفا مملوءا بالهدايا.. والله.. مملوءا بالهدايا لأنّني كاتب.. لأنّني كاتب إذن أستحقّ كلّ هذه الهدايا. أقول إنّ الأدب بخير والمرأة بخير وتونس بخير. عبد القادر بن الحاج نصر
تعليقات