أيّامها.. في بئر الحفي قريتي الجميلة.. أيّام السّوق الأسبوعيّة، يوم الأربعاء ليلا تضاء القناديل في الدّكاكين وفي ساحاتها.. المتسوّقون القادمون من الجهات الأربع يجلسون في حلقات بعضها متباعد، والبعض الآخر متقارب.. يفترشون الحصر المنسوجة من نبات الحلفاء، يتربّعون في شموخ كالسّلاطين، يتبادلون أخبار العروش، وأحوال الماشية، أغناما وإبلا وخيلا وبقرا، يسألون عن الأرض وما وهبت، حشيشا وزرعا وثمارا.. يتبادلون أخبار الأعراس، يوجّهون الدّعوات إلى بعضهم بعضا، يسألون عن خيول السّباق، مَن مِن الخيل برز في المناسبات - الأعراس والزّرد - ومَن مِن الفرسان ربح السّباق ومن خسره.. يضحكون ويقهقهون، يمشّطون لحيّهم، يحمحمون كما تحمحم الخيل بينما الطّعام اللّذيذ يطبخ على نار الفحم ورائحة لحم الضّأن منتشرة في المحيط. إنّها ليلة الأكلة المفضّلة، خبز ومرق أو كسكسيّ ومرق، ولن يكون المرق مرقا بحقّ إلاّ إذا علته طبقة من الدّهون المذابة من الشّحم واللّحم - تسمّى الصّبيب - ولن يكون الكسكسيّ لذيذا مستساغا إلاّ إذا وُضع في الجفنة الواسعة المصنوعة من اللّوح وصُبّ فوقه المرق ووزّعت فوق طبقة الصّبيب، على عدد أفراد الحلقة، قط...
العيد الوطني للثّقافة كان عيدا وكان موعدا يجمع رجال الثّقافة من كلّ المجالات بقمّة الهرم السياسي.. يتمّ خلاله تكريم المبدعين في الإعلام والآداب والفنون والإعلان عن إجراءات تخصّ تطوير الثّقافة.. ترى من الّذين لهم مصلحة في التّعتيم على هذا اليوم لخلق هوّة بين المثقّفين وهرم السّلطة؟ عبد القادر بن الحاج نصر
قصّة: مخدّة أبي لـــ : عبد القادر بن الحاج نصر (الجزء الثّالث) غاب القمر.. طلع القمر.. السّمك في السلّة والبحّار يتّبع مسارات النّجوم.. الأمل في القلب والريح رخاء.. الموج فقد زبده واللّيل يتكدّس كتلة من سواد لكنّ السّمك في السلّة والموعد يتجدّد.. رحلة تنتهي في قاعة الجلوس والولدان والصبيّة وأمّهم يقلّبون النّظر في السّمك ويشعلون الموقد.. شيء ما يحترق في الأفق البعيد.. البعيد يقترب، والقريب يزداد قربا.. أحبّك يا بلدي غزّة.. على الضّفاف تفتّقت الأحلام وكبرت، تلألأت مع كلّ نجمة.. تغيب النّجوم وتنبثق من بين السّحب. بلال سيلتقط أولى السّمكات المشويّة.. يلتقطها ويختبئ وراء سرير النّوم، يقشّرها ويأكلها. جاسم سيهتزّ غضبا، يركض في أنحاء البيت باحثا عن بلال ليأخذ نصيبه من السّمكة. قدس ستنتهز الفرصة وتختطف السّمكة الثانية وتختفي، تلتهم نصفها وتلقي النّصف الثاني في فم القطّة. طلع القمر ثمّ غاب.. فرقعة وزلازل على ضفاف البحر.. سحب ودخان.. لا مناص من السّير بين النّجوم.. طريق التبّانة تبدأ بين موجتين غاضبتين وتنتهي في فناء البيت. تناهى إلى سمعه أزيز الزّوارق السّريعة.. تسمّع ثمّ ضرب الموج...
غلاف المجموعة القصصيّة: حكايا باريس من منشورات "زخارف عربيّة" 2023 عندما نزلت بباريس بداية السّبعينات دون هويّة، دون سند مادّيّ، لا أملك غير حلم أكبر منّي شبيه بالجنون.. السّكن كان همّي الأوّل والمأكل همّي الثّاني، رأيت المدينة على اتّساعها مغلقة والنّاس على اختلاف أجناسهم وألوانهم وثقافاتهم لا يشدّهم إلى بعضهم إحساس ولا عاطفة. كدت أطوي الصّفحة وأعود من حيث أتيت فتذكرة العودة مطويّة في جيبي ولولا شابّ من طينتي مدّني بعنوان حائك قد أجد عنده عملا، ساعتان أو ثلاث في اليوم إن حالفني الحظّ. الحائك يهوديّ وورشة الحياكة صغيرة وضيّقة يعمل فيها بالإضافة إليه زوجته وعاملان. قال لي هل تعلم ما المهمّة الّتي ستقوم بها فأجبته بأنّني لا أستنكف من أيّ عمل أكلّف به. مدّ لي سطلا مملوءا ماء ومعه بعض موادّ تنظيف مختلفة وأمرني بأن أعيد للأرضيّة ألقها وبعد ذلك أغسل بلّور الواجهة كما يغسل الإنسان وجهه، ومقابل ساعة من العمل دريهمات معدودات. لم أجد في ذلك حرجا، أمسكت بالمكنسة والسّطل وموادّ التّنظيف وتوكّلت على الله ولم يبخل عليّ العرف طوال فترة العمل بتوجيهاته. رأيت منزلتي الاجتماعيّة ...
في حضن المراعي أيّامها.. أيّام الرّبيع الدّافئة تزهر أشجار اللّوز والبرقوق والخوخ.. جمال تلك الزّهور تسحر الخيال.. مساحات الأرض الشّاسعة يكسوها بساط أخضر من نبات القمح والشّعير.. نبات ينمو كلّ صباح جديد، تسمو أعاليه فتطاول الفضاء.. بين المساحات المزروعة والأشجار المورقة المزهرة يلهث الرّعاة وراء الأغنام الّتي تدفعها الغريزة إلى الارتماء داخل المزارع فإن لم تستطع ركضت نحو الأشجار لتقطف الأوراق الخضراء. لا شيء يسحرني أكثر من الطّبيعة، أتجوّل بين مساحة وأخرى، أحدّق في الأشجار الوارفة، أقرّب أنفي من نوار اللّوز متشمّما الرّائحة الزكيّة، أملأ صدري بعبقها، فأشعر بالرّاحة والطّمأنينة ويقوى لديّ هذا الشّعور كلّما حلّق فوق رأسي سرب من الطّيور، وطاف متجوّلا في سماء الحقل أو المزرعة.. أظلّ أتابع حركاته، يصعد إلى أعلى وينزل فيقترب من الأشجار، أحيانا يحطّ على الأغصان، وأحيانا تصافح أجنحته الأوراق ثمّ ينطلق في اتّجاه أشجار أخرى وفضاءات أخرى.. ولكم تُطرِب سمعي زقزقته وهو يشقّ الفضاء أو هو مستقرّ إلى حين على الأغصان. أسرح وراء الأغنام وهي تنتقل من مكان إلى آخر، تلتهم الحشائش الخضراء بسرعة عج...
سمير العيّادي عرفته دوائر الإبداع ابتداءً من الستّينات، قصّاصا متحدّيا للأشكال والمضامين، متنقّلا بين أنماط الكتابة.. لم يستقرّ طويلا في رحاب القصّة الّتي اشتهر بها في فضاء نادي القصّة عشايا يوم السّبت كلّ أسبوع.. كتب كذلك النّصوص الشّعريّة وبعض الأعمال الدّراميّة للتّلفزة الوطنيّة.. سطع نجمه في المسرح فكان بلا جدال مبدعا طلائعيّا، قضى أيّام عمره القصير ولياليه متعبّدا في محراب الكتابة الأدبيّة والفنّيّة والمسرحيّة.. كما كان ممثّلا تلفزيّا بارزا ظهر في أدوار متعدّدة في أكثر من مسلسل دراميّ إلى أن غادرنا دون استئذان. سمير العيّادي محمود التّونسي في نادي القصّة بالورديّة كان وجها بارزا مثيرا للاهتمام.. كلّما قرأ قصّة أثار الإعجاب لدى الحضور.. تسكنه رغبة شديدة في الابتعاد عن الطّرق المعبّدة وانتهاج مسالك غير معروفة في الكتابة، وربّما اشتهر في السّاحة الأدبيّة وخاصّة في الأعمال السّرديّة بقصّته "صحن كفتاجي بالعضمة".. كتب الخاطرة النّقديّة ونشر إبداعاته وخواطره في مجلّة قصص ومجلّة الفكر والملاحق الأدبيّة.. عرف في الأوساط الفنّيّة رسّاما مبدعا. إنّني لن أنسى أنّه أهداني رسوما...
تعليقات