في أحضان أبي
![]() |
في أحضان أبي |
لا
يتذكّر أنّ أباه انحنى مرّة وقبّله مثلما يفعل الآباء والأمّهات هذه الأيّام.. لا
أبي يقبّلني ولا إخوتي الكبار ولا حتّى أخواتي، هكذا هي التّقاليد والأعراف وحدود
العلاقات بين أفراد الأسرة في الأرياف.
ربّما
كان الصبيّ في حاجة إلى قبلة على خدّه تشجّعه وتبعث في نفسه الحيويّة.. النّاس في
القرية وفي الرّيف لا يهتمّون بهذه المظاهر العاطفيّة.. لكنّ الحبّ راسخ موجود..
نعم، موجود وراسخ إذ لو صادف أن تأخّرت قليلا في الطّريق بين المدينة والمنزل لفزع
أبي وأسرع الخطى باحثا عنّي خوفا من أن يكون قد أصابني مكروه.. وحسب الوقت الّذي
أتأخّر فيه عن الرّجوع إلى المنزل فإن كان قصيرا فإنّ أبي يبتسم ويضحك ويضع يده
على كتفي ويسأل عن معلّم العربيّة عمر بن البشير، وعن معلّم الفرنسيّة السيّد
الزّيتوني ومن منهما ضربني، ومن منهما وهبني حبّة حلوى.. أمّا إن تجاوز الوقت
الّذي تأخّرت فيه حدّا غير مقبول فإنّ ملامحه تتجهّم ويوجّه إليّ بعض العبارات
الحادّة الّتي تنفذ إلى قلبي.. نعم.. كنت حسّاسا جدّا فسرعان ما تنزل دموعي على
خدّيّ في صمت.
أيّامها
تتوزّع الدّراسة على حصّتين، صباحيّة ومسائيّة، وبينهما ساعة أو ساعتان استراحة.
حال
انتهاء الحصّة الأولى في حدود منتصف النّهار، وحال خروجي من سور المدرسة أجد أبي
في انتظاري ليرافقني إلى دكّان "ابّي مفتاح" ويضع أمامي كسرة طابونة،
باردة طبعا، ويصبّ في صحن كمّيّة من زيت الزّيتون.. ولأنّني أكره تناول الكسرة
بزيت الزّيتون فإنّه يضيف إليه مقدارا يساويه من الماء ويرشّ فوقه كمّيّة من السّكّر
للتّخفيف من حدّته.. وأحيانا قليلة يضع فيه قرصا من حلوى الشاميّة.
أيّامها،
كانت تؤلمني وتؤذي مشاعري تلك الكسرة الباردة ويؤذيني ذاك القدر من زيت الزّيتون
بسبب حرارته.. لكنّ المفارقة أنّ كلّ التّلاميذ الّذين يسكنون الأرياف مجبرون على
تناول الكسرة منقوعة في زيت الزّيتون.. ولم أشاهد أو أسمع بطفل واحد يشتكي من هذه
الأكلة فالكلّ يقبل عليها بشراهة منقطعة النّظير.
لماذا
أنا الوحيد الّذي يأبى خاطري أن يتماهى مع الأكل الّذي يتماهى معه الآخرون؟
أيّامها،
أيّام الشّتاء القارس، غالبا ما أصاب بحالات زكام فيطلب منّي أبي قبل أن أغادر إلى
المدرسة أن أتناول جرعة من دواء تخفّف عنّي نوبات السّعال والعطاس.. أمّا مكوّنات
الدّواء فهي لا تخطر على بال أحد.. يمسك أبي بيضة ويكسرها من الأعلى، يزيل بعض
القشور القليلة حتّى يكشف عن السّائل الأبيض والأصفر ثمّ يدفعني إلى أن أبتلع ما فيها
دفعة واحدة.. بعد ذلك، وهذا ما يسبّب لي أذى كبيرا، يملأ نصف البيضة بزيت الزّيتون
ويطلب منّي أن أشربه.
أتجرّع
الزّيت مجبرا خائفا.. ما دام هو الدّواء الوحيد.
لحظتها
وقد خلت البيضة من سائلها الأبيض والأصفر وزيت الزّيتون، ينظر إليّ أبي باعتزاز
قائلا:
«صحّة ليك ولدي.»
عبد القادر بن الحاج نصر
مارس 2024

تعليقات