في حضن المراعي

في حضن المراعي


 

أيّامها.. أيّام الرّبيع الدّافئة تزهر أشجار اللّوز والبرقوق والخوخ.. جمال تلك الزّهور تسحر الخيال.. مساحات الأرض الشّاسعة يكسوها بساط أخضر من نبات القمح والشّعير.. نبات ينمو كلّ صباح جديد، تسمو أعاليه فتطاول الفضاء.. بين المساحات المزروعة والأشجار المورقة المزهرة يلهث الرّعاة وراء الأغنام الّتي تدفعها الغريزة إلى الارتماء داخل المزارع فإن لم تستطع ركضت نحو الأشجار لتقطف الأوراق الخضراء.

لا شيء يسحرني أكثر من الطّبيعة، أتجوّل بين مساحة وأخرى، أحدّق في الأشجار الوارفة، أقرّب أنفي من نوار اللّوز متشمّما الرّائحة الزكيّة، أملأ صدري بعبقها، فأشعر بالرّاحة والطّمأنينة ويقوى لديّ هذا الشّعور كلّما حلّق فوق رأسي سرب من الطّيور، وطاف متجوّلا في سماء الحقل أو المزرعة.. أظلّ أتابع حركاته، يصعد إلى أعلى وينزل فيقترب من الأشجار، أحيانا يحطّ على الأغصان، وأحيانا تصافح أجنحته الأوراق ثمّ ينطلق في اتّجاه أشجار أخرى وفضاءات أخرى.. ولكم تُطرِب سمعي زقزقته وهو يشقّ الفضاء أو هو مستقرّ إلى حين على الأغصان.

أسرح وراء الأغنام وهي تنتقل من مكان إلى آخر، تلتهم الحشائش الخضراء بسرعة عجيبة ولا تضيّع الوقت في المضغ إنّما تخزّنها في أحشائها لتخرجها ليلا على دفعات تمضغها جيّدا، تلوكها، تبتلعها حين تصبح رطبة طريّة وقد طحنتها كما تطحن المرأة القمح بواسطة الرّحى.

تغيب الشّمس ويأخذ الظّلام في الانتشار تدريجيّا، آنئذ يضع الرّاعي عصاه فوق كتفيه يشدّها من طرفيها ويتّجه نحو طريق العودة.. ترفع الشّياه رؤوسها وتتّبع خطاه.. في المحيط تنتشر رائحة أنفاسها طيّبة وقد امتزجت برائحة الحشائش الّتي ازدردتها طوال النّهار.

رحلة الأغنام بين الزّريبة الّتي تأويها وبين المراعي سمفونيّة فاتنة ساحرة تبلغ أوج الفتنة والسّحر حين تقترب من الزّريبة حيث خرفانها في الانتظار.. فجأة تركض الأغنام متجاوزة الرّاعي وعصاه يدفعها الشّوق إلى خرافها.. آنئذ يكون الظّلام قد انتشر غير أنّه لن يحول بين التقاء الخروف بأمّه.. فلا خروف يتيه عن أمّه وإذا ما حدث وأن اقترب خروف خطأ من ضرعها فإنّها تدفعه بعيدا عنها وتطلق سلسلة من ثغاء فيهتدي ابنها إليها رغم الظّلام وكثرة الخرفان والشّياه.

كيف يمحى مشهد الخراف وهي تشرب من حليب أمّهاتها.. كيف يمحى مشهد الشّاة وهي ترفض أن يمصّ من ضرعها خروف غير فلذة كبدها.. لا الخروف يتوه عن أمّه ولا الأمّ تتوه عن ابنها، فبواسطة الرّائحة والصّوت فقط تنتظم العلاقة وتتمتّن.

قبل أن تأوي الأغنام إلى الزّريبة يقف أبي في المدخل الضيّق يعدّ الأغنام واحدة واحدة فإذا اطمأن إلى أنّها عادت جميعا أمر الرّاعي بإغلاق الزّريبة والدّخول إلى البيت ليجد وجبة العشاء في انتظاره فيلتهمها ساخنة حارقة.

عبد القادر بن الحاج نصر

مارس 2024

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

دمعة على خدّ النّاقة

وجهة نظر مغاربيّة في كتاب: "من أوراق صحفيّ شماليّ "لــ: ثامر سودي قمقوم

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الصّيدلة والأدب