ليلة السّوق الأسبوعيّة
أيّامها.. في بئر الحفي قريتي الجميلة.. أيّام السّوق الأسبوعيّة، يوم الأربعاء ليلا تضاء القناديل في الدّكاكين وفي ساحاتها.. المتسوّقون القادمون من الجهات الأربع يجلسون في حلقات بعضها متباعد، والبعض الآخر متقارب.. يفترشون الحصر المنسوجة من نبات الحلفاء، يتربّعون في شموخ كالسّلاطين، يتبادلون أخبار العروش، وأحوال الماشية، أغناما وإبلا وخيلا وبقرا، يسألون عن الأرض وما وهبت، حشيشا وزرعا وثمارا.. يتبادلون أخبار الأعراس، يوجّهون الدّعوات إلى بعضهم بعضا، يسألون عن خيول السّباق، مَن مِن الخيل برز في المناسبات - الأعراس والزّرد - ومَن مِن الفرسان ربح السّباق ومن خسره.. يضحكون ويقهقهون، يمشّطون لحيّهم، يحمحمون كما تحمحم الخيل بينما الطّعام اللّذيذ يطبخ على نار الفحم ورائحة لحم الضّأن منتشرة في المحيط.
إنّها ليلة الأكلة المفضّلة، خبز ومرق أو كسكسيّ ومرق، ولن يكون المرق مرقا بحقّ إلاّ إذا علته طبقة من الدّهون المذابة من الشّحم واللّحم - تسمّى الصّبيب - ولن يكون الكسكسيّ لذيذا مستساغا إلاّ إذا وُضع في الجفنة الواسعة المصنوعة من اللّوح وصُبّ فوقه المرق ووزّعت فوق طبقة الصّبيب، على عدد أفراد الحلقة، قطع اللّحم الكبيرة.. ولن تكون اللّحمة مستساغة لدى الآكلين إلاّ إذا كانت مكسوّة بالشّحم الّذي تراه العين مرفرفا متحرّكا متململا فوق الكسكسيّ، وتسمّى هذه اللّحمة "الجَنحة"، ومن لا يستسيغ اللّحمة المغلّفة شحما فذلك يعني أنّه ذو بنية جسديّة ضعيفة لا يصلح أن يكون زارعا ولا حارثا ولا حاصدا ولا مذرّيا ولا فارسا ولا فلاّحا ولا تاجرا متنقّلا بين القرى والمدن.
بين كلّ قطعة لحم وأخرى كومة من الزّبدة تسمّى "الطّلّوسة" يخلطها الآكل بالشّحم ويرفسها في الكسكسيّ.
بين لقمة وأخرى يلتفت الصّاحب إلى صاحبه ويهمس في أذنه سائلا:
- هل هناك في معارفك أو معارف معارفك فتاة جميلة فاتنة، مشرقة الملامح، قويّة السّاعدين، ناهد الصّدر، ممتلئة السّاقين والرّدفين، خفيفة، شفتاها غليظتان عليهما ابتسامة موصولة غير مقطوعة، تنفرج شفتاها عند كلّ ابتسامة عن صفّي أسنان في بياض الذّهب الأبيض بل في بياض الثّلج؟
يلتفت نصف التفاتة وقد استمع إلى فحوى السّؤال بانتباه فلا يردّ خوفا من أن يضيع الوقت في الكلام بينما الآخرون لا يرفعون رؤوسهم لحظة عن الطّعام.. لكنّ السّائل يهمزه بمرفقه فيضطرّ إلى الردّ بكلمات مقتضبة من أطراف الشّفتين:
- إن كانت لديك أخت أو ابنة عمّ أو ابنة خال لها هذه المواصفات فأنا لها، ولك منّي مقابل البشارة هديّة ثمينة من أخيك العزيز أتان ظريفة أكّالة نهّاقة.
يردّ عليه صاحبه ضاحكا:
- لعنة الله عليك ما رأيت أنذل منك.. كم أنت بليد لا تستحي.
ينتهي الآكلون من الطّعام.. البعض يصبّ الماء على يديه ليزيل ما علق بهما من حبّات الكسكسيّ وبقايا الشّحم واللّحم وآخرون يمتنعون عن ذلك مفضّلين الاحتفاظ في أيديهم وأفواههم برائحة اللّحم والشّحم فهي المشتهاة إذ هي أطيب من روائح الزّهور مجتمعة، ومن رائحة الأرض، ومن رائحة البخور والطّيب الّذي يتضوّع من ملابس المرأة وهي تدسّ جسدها في الفراش وتحتضن الزّوج الحبيب.
يتّكئ الجميع على مرافقهم في انتظار كأس الشّاي الأحمر الّذي لا شراب يعادله، به تزهو النّفوس وتكتمل السّعادة.. لحظات قليلة ويستغرق الجميع في سبات عميق دون أن يفارقوا أماكنهم.
عبد القادر بن الحاج نصر
مارس 2024

تعليقات