هكذا تشرق الشّمس
![]() |
هكذا تشرق الشّمس |
طالبا في باريس، في محطّة المترو وعند باب الجامعة، كان يتشهّى أن يكون مثل الآخرين، هم في الشّتاء يتدثّرون جيّدا بألبسة صوفيّة وقطنيّة تقيهم لسعة البرد، وفي الرّبيع يستبدلونها بأخرى زاهية بينما يحافظ هو على ملابسه الشّتويّة لأيّام الرّبيع كأنّها جزء من جسده.
مارّا أمام المقاهي يراهم يحتسون القهوة ويشربون الماء
المعدنيّ ويتلذّذون قطعة المرطّبات، يختفي سريعا وفي نفسه حنين إلى جرعة ماء
معدنيّة وقهوة يترشّفها على مهل.
واقفا أمام باب السّينما والمسرح يراهم في الصّفوف
ينتظرون اقتطاع تذاكرهم لينعموا بروائع الفنّ يثرون بها رصيدهم الثّقافيّ بينما
يتسمّر هو طويلا في مواجهة اللاّفتات مكتفيّا بالنّظر إلى العناوين والصّور وأسماء
الممثّلين والممثّلات.
متسكّعا عند محطّات السّفر يراهم يركبون القطارات في
اتّجاهات مدن وعواصم يكتشفون فيها عوالم جديدة، يضيفون إلى المتعة النّفسيّة متعة
المعرفة والفكر ويكتفي هو بقراءة أسماء المدن والعواصم مستعينا بالخيال فيقفز من
مدينة إلى أخرى ومن عاصمة إلى أخرى يحيط خياله بكلّ شيء دون أن يرى شيئا إلاّ صورة
جميلة، ملامحها من ملامح الموناليزا رآها فأحبّها واختزنها وقضى معها سنوات الغربة
افتراضا.. افتراضا لا غير.
***
مستقرّا في بلده، موظّفا يرنو إلى المستقبل بعيون
حائرة.. لا سكن ولا سيّارة بينما الآخرون يمشون على الأرض مرحا.
متفرّجا عاملا يرى الأيّام تمرّ ولا يتغيّر الحال إلاّ
ببطء، يرتقي درجات سلّم الوظيف درجة إثر أخرى فتنفتح بعض أبواب الدّنيا أمامه.
في المقهى.. القهوة والماء المعدنيّ وقطعة المرطّبات
وكلّ ما اشتهت نفسه في الماضي.
في المنزل.. الصّالون الفاخر ورفوف الكتب والحديقة.
في الطّريق السيّارة تقطع المسافات متى يشاء وتتوقّف متى
يشاء.
في بهو المطار، ومن بهو مطار إلى آخر، يسافر نحو مدن
وعواصم كان زارها افتراضا عشرات المرّات وتجوّل في فضاءاتها وشرب ماءها وتنفّس
هواءها وتجوّل في أسواقها افتراضا لا غير.
***
متلاحقة الأيّام، منصرمة الأعوام، راحل الزّمن من محطّة
إلى أخرى.
***
اليوم لا شيء يخفق له قلبه، لا مدينة ولا عاصمة ولا
سيّارة ولا متاع ولا عقار ولا مال ولا برّ ولا بحر سوى كتاب وصحيفة وظلّ زيتونة
ودجاجات عشر ولا شيء آخر، لا شيء.
لا شيء آخر سوى صورة تلك الملامح الجميلة الّتي تشبه
ملامح الموناليزا، أحبّها واختزنها طويلا إلى أن تحوّلت إلى واقع.. يراها حين تشاء
الظّروف، يلتقي بها وتلتقي به ثمّ يفترقان ولكلّ منهما مسار ومستقرّ.
هكذا تشرق الشّمس لتأخذ مسارها نحو الغروب.
عبد
القادر بن الحاج نصر

تعليقات