مقطع من رواية: "عتبة الحوش"

رواية: عتبة الحوش
 

أنا زبيدة بنت حسين المفتي.. الرقبة طويلة والهامة في السّماء.. أنا زبيدة عرجون الدّقلة شجرة السرولة، حبّة القرنفل.

هكذا أصف نفسي.. من لا يوافق يضرب رأسه على الحائط.. ذات يوم وأنا في عمر الزهور نظرت في الأفق طويلا.. شربت من النّسائم الآتية من أعماق الدّنيا.. تجاوزت العتبة واتّكأت على حائط الحوش وقلت لنفسي أنا عاشقة حتّى الثّمالة، وعلىّ أن أرتّب أمري وأواجه الرّياح الآتية من السّباسب.

لقد أقبل عمّار متهندما كما تعوّد دائما ورائحة الطّيب تسبقه.

طبعا أقبل.. وكنت واقفة على العتبة.. انتظرت أن يصل باب الحوش ليتوقّف ويرفع بصره نحوي.. ولربّما يتجرّأ على أن يفعل أكثر من ذلك، أن يطوي الجريدة الّتي كان قد دسّ وراءها رأسه، وهو يسير مقتربا من الباب ويتّجه نحوي.. ويمدّ إليّ يده ليصافحني كما يفعل كلّ النّاس.. وأنا وإيّاه جزء من هؤلاء النّاس.

لقد توقّف فعلا لكنّه ظلّ يتابع القراءة ثمّ طوى الصّحيفة ودفع الباب وهو يلتفت إلى الوراء إلى أن غاب داخل الحوش، ومع ذلك بقيت واقفة، فلا بدّ أنّ الّذي قرأه في الجريدة استحوذ على اهتمامه فنسي أنّني أنتظره.. وحالما يخطو في فناء الحوش سيتذكّر وسيضرب جبهته بكفّه ويعود على أعقابه مهرولا ليقف في العتبة ويحدّق فيّ ويبتسم، ويرسم تحيّة بيده.

الجزء الصّغير من اللّحظة الصّغيرة كان فسحة من الزّمن لا حدّ لها، فتات الوقت تحوّل إلى دهور.. كم يعاني القلب، وكم تتحمّل الشرايين! راودني إحساس بالإهانة فتخيّلت نفسي أغادر المكان وأقبل على الحوش، أفتح الباب على مصراعيه وأتّجه إليه أمسك بربطة عنقه أضغط بها على رقبته إلى أن يخرج لسانه وتجحظ عيناه.. أسأله هل رأيتني الآن؟ هل تراني؟ أنا زبيدة بنت حسين المفتي، أنا الّتي أحببتك وانتظرتك، أنا الّتي وقفت على عتبة الباب والجمر في الضّلوع إلى أن جئت.. أحنيت رأسك ودخلت الحوش وأغلقت الباب. لم أقدم على فعل ذلك لأنّ الوالد سيعلم إن آجلا أو عاجلا، وسيذبحني من الوريد إلى الوريد. قد لا يهمّني أن أقتل، لكن لن يحدث ذلك إلاّ عندما أحقّق رغبتي، عندما أقتطف ثمرة الشّجرة الّتي نبتت في قلبي وأينعت، وأتحسّسها وأتشمّمها وأقضمها بعد ذلك يستطاب القتل.

               عبد القادر بن الحاج نصر

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

دمعة على خدّ النّاقة

وجهة نظر مغاربيّة في كتاب: "من أوراق صحفيّ شماليّ "لــ: ثامر سودي قمقوم

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الصّيدلة والأدب