ملكة النّحل

الأدباء، العدد الثالث 20204
مجلّة ثقافية إلكترونية شهريّة

  

حلم عابر ذات ليلة مقمرة.

هدّه التّعب وحاصره الخوف.. الأيّام تنساب والأحداث.. نبض القلب يشتدّ وحركة التّنفّس تنحسر وتضيق.. لماذا جاءت؟ قضت لحظات وانصرفت.

جاءته لأنّه هو الّذي وجّه إليها الدّعوة.. يتذكّر جيّدا ذات لحظة أنّه رفع عينيه إلى السّماء والتمس أن يلتقي بتلك المرأة صاحبة الشّعر الأصفر والعينين العسليّتين والشّفتين والبشرة.. تلك المرأة يتجلّى السّحر من ملامحها والفتنة.

قهره الزّمن فأحبّها دون أن يراها.. رسمها على الورق، وضع لها تمثالا من الشّمع وسوّاها كما أراد.. الزّمن تلكّأ كثيرا ثمّ حطّ رحاله على عتبة الشّقّة الّتي اشتراها لها وأثّثها وريّشها ودهن جدرانها بالألوان الهادئة ورشق المصابيح والسّهّارات في كلّ الزّوايا وانتظر.

همس له الزّمن بأن ينتظر.. آتية كما يأتي القدر.. القدر خبّره بذلك.

ليلتها فتح شبّاك غرفة النّوم، رأى القمر بازغا والنّجوم تحيط به والنّجوم تمسح الفضاء بشعاعها.. رأى الشّعاع أبيض عسليّا يتساقط رذاذا على فضاء الشّبّاك ويغمر شجيرات الورد وزهر القرنفل.

هل أغمضت عيني، هل استغرقت في النّوم أم لا، هل كان نظري مشدودا إلى فضاء الشّبّاك أم لا؟

خبّرني الزّمن أنّ الأمنيات ترتّب على مهل وأن لا أمنية تتحوّل إلى سراب.

انفرج الباب.. بدت طيفا ملائكيّا، عينين وشفتين وأنفا وخدّين وحاجبين وجبينا، والشّعر أسود منفلت من عقاله يكسو الصّدر والظّهر والكتفين.. رأيتها حاملة طبقا من الشّهد الأصفر.

صبيّا، كان لدينا خليّة نحل يعمد أبي في موسم الحصاد إلى فتح الصّندوق فيخرج الشّهد طبقات يقضي وقتا طويلا في عصره.. وتمنّيت، تمنّى صبيّا، ذلك الزّمن أن يقتطف شهدة لا يشاركه فيها أحد.. ليس أجمل وألذّ من شهدة صفراء تقطر عسلا.

الطّبق كأنّه طائر يسبقها.. ظللت أنظر في كلّ جوانب الشّهدة وأتشهّى أن أعصرها بيدي وآخذ عسلها لي وحدي.

ليس هناك أمنيات يسرقها الزّمن منّا.. الأمنيات تولد طبقات وتقطف على مهل طبقة بعد أخرى.. أنا على قاب قوسين أو أدنى من الشّهدة.

جلست على حاشية السّرير.. هي نفسها، هي الفاتنة السّاحرة الجنّيّة ذات الملامح الملائكيّة والشّفتين الطّريّتين الشّهوانيّتين والعينين العسليّتين والأنف الدّقيق والخدّين الرّمّانيّين.

كلّما تبدّى لي طيفها ساعة رفعت عينيّ ويديّ بالدّعاء.. هي الآن بكلّ تفاصيلها.. تفاصيل الجسد مفتّحة تحت الثّوب الحريريّ الشّفّاف.

لم أنطق بكلمة، لم أجد القدرة على النّطق، لم آت بحركة، لم أجد القدرة على الإتيان بحركة، استسلمت لسطة المرأة، امرأة تطوف بي كما تطوف النّحلة ببتلات الزّهرة.

استوت، تقدّمت وتأخّرت، صعدت ونزلت وصعدت ومدّت لي الشّهدة، أطعمتني إيّاها.. لم يسرق الزّمن الحلم.. ظلّت تناولني الشّهدة فيقطر العسل على شفتيّ ولساني.. كلّما ضممت شفتي دفعت الشّهدة في فمي فتقاطر العسل صافيا لذيذا.

«صبيّا كنت تتمنّى أن تأكل شهدة صفراء.»

«هذه الشّهدة لا أخرى تشبهها، لا أخرى تعوّضها، إنّها أحلى ما وهبت ملكة النّحل.»

«أتيتك متأخّرة.. كلّ جميل ولذيذ يأتي متأخّرا.»

«أتيتك متأخّرة.. كلّ الشّهد، شهد الملكات، والملكات قليلات، يأتي متأخّرا.»

«أتيتك متأخّرة.. كيف لا تأتي ملكة النّحل متأخّرة حاملة شهدها وعسلها؟»

«إلاّ الأحزان، إلاّ الهموم، إلاّ الخيبات تأتي على جناح السّرعة.»

عبد القادر بن الحاج نصر

  الأدباء العدد الثالث - 2020

مجلّة ثقافيّة إلكترونيّة شهريّة

تعنى بالثّقافة والأدب والفنون

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

دمعة على خدّ النّاقة

وجهة نظر مغاربيّة في كتاب: "من أوراق صحفيّ شماليّ "لــ: ثامر سودي قمقوم

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الصّيدلة والأدب