الشّارع الجميل والقامات الأدبيّة: مصطفى الفارسي
![]() |
| الأديب مصطفى الفارسي |
رجل تمرّ
الأيّام وتطوى الأعوام وتندثر مدن وتنبت مكانها مدن أخرى وهو لا يسقط من الذّاكرة،
يأتي أدباء يعمّرون السّاحة ويذهبون، يصعد الشّعراء على المنابر ويلقون أشعارهم
السّاحرة ثمّ ترفع المنابر وهو واقف على باب المدينة كالصّنم العظيم، وتبثّ وسائل
التّرفيه والثّقافة برامج اللّهو واللّافنّ واللّاثقافة وهو يسير في الشّارع
الجميل بمهابة العظماء متأمّلا ضاحكا ساخرا.
صعدت مدرج
شركة الإنتاج السّينمائي ذات يوم وكان هو رئيسها ومديرها العامّ، كنت مضطربا خائفا
خجلا، ها أنا بعد قليل سيستقبلني الرّجل الأديب الّذي ملأ اسمه وإنتاجه المختلف
أرجاء الدّنيا.. كنت متردّدا ولو لم يكن هو الّذي أرسل في طلبي لما تجرّأت على
المجيء إليه. لقد تميّزت قبل هذا الموعد
بأيّام قليلة بقراءة قصّة أمام الزّعيم الحبيب بورقيبة في قصره بالمنستير ضمن
فعاليّات ملتقى "هوّاة الأدب"، وكان للقصّة صدى، ولأنّ هذا الرّجل
المتميّز كان متنصّتا مرهف الحسّ لكلّ ما يحدث على السّاحة الأدبيّة فقد أراد أن يكرّمني
بالاستقبال.
جلست أمامه
فأنا التّلميذ أمام أستاذ جليل، وإنّني المبدع النّاشئ أمام رمز من رموز الأدب
والفنّ والثّقافة عاشر كبار الأدباء والشّعراء في فرنسا من بينهم البير كامي A. CAMUS -
والفيلسوف ج. ب. سارتر J.P. SARTRE.
اقتصرت المقابلة بيني وبينه على الاستماع إليه، وللوهلة الأولى أدركت أنّني في
حاجة أكيدة لهذه القامة الأدبيّة آخذ منها زادا وأستلهم منها معالم الطّريق الّتي
مازلت أرسم خطوتي الأولى عليها، فأنا كالعصفور الّذي يتوق إلى مغادرة عشّه لكنّ
الجناحين ما زالا بلا ريش. غمرني مصطفى الفارسي بكلام فهمت من خلاله أنّ لحظة
الإبداع ليست لحظة لهو، وأنّ الكتابة الأدبيّة ليست جرعة مخدّر يتناوله المرء
فيشحن خياله وحيا يرتقي إلى درجة السّموّ، وإنّما الكتابة مسؤوليّة ووعي كامل بكلّ
حرف يتضمّنه النّصّ وإيمان بقدسيّة الإبداعّ وهو حفر في القلب والرّوح والإحساس،
فإذا ما اطّلع عليه القارئ وصل إلى قلبه
وروحه وإحساسه، والإبداع جهد وتعب وعرق وسهر
عندما يكون الآخرون مستغرقين في لذائذ الأحلام، والإبداع كذلك لا ينطلق من
لا شيء وهو ليس رصيدا منعزلا عن رصيد الإبداع الإنسانيّ وعمّا يجري في المجتمع من
أحداث وإنّما هو كذلك إحاطة متواصلة بما يكتب وينشر ويوزّع خارج الحدود وداخلها،
وبما أبدع المبدعون في الماضي وبما يبدعونه في الحاضر الذي هو فاصلة في مستقبل
نبحر إليه ونبحر فيه.
كلام مصطفى
الفارسي كان لي قبسا من ضياء وعصارة موهبة نادرة يعزّ مثيلها، وكيف لا وهو
الرّوائيّ والقصّاص والرّسّام والشّاعر وصاحب المقالات الفكريّة والبرامج الأدبيّة
الإذاعيّة وهو المخرج السّينمائيّ والمحاضر.
لم يكتف
مصطفى الفارسي بتكريمي في مكتبه بل قدّمني إلى كبار الرّوائيين والشّعراء والرّسّامين
الذين كانوا يجتمعون مساء كلّ سبت حول مائدة عشاء يشرف عليها الرّوائيّ المتميّز
البشير خريّف، هناك تعرّفت على ألمع وجوه الأدب والثّقافة، ولقد شعرت وقتها كم أنا
صغير وكم أنا عاجز عن المشاركة في الكلام وكم أنا في حاجة إلى سنوات قادمة لأحدّد
موقعي من مواقع الآخرين. ولعلّ اللّحظة التي شعرت فيها بأنّني جزء متواضع من
منظومة إبداعيّة متكاملة، وأنّه بإمكاني أن أشارك في الكلام والنّقاش هي اللّحظة
التي صدرت فيها مجموعتي القصصيّة الأولى " صلعاء يا حبيبتي" وفي صفحاتها
الأولى مقدّمة بإمضاء المبدع الحقّ مصطفى الفارسي.
عبد القادر بن الحاج نصر
2015

تعليقات