العاشقان



وقفت على باب الضّيعة.

كان جالسا أمام البيت الخشبيّ الّذي أقامه على حافة السّاقية يتابع بنظر حزين أكداسا من غمام أبيض وضبابا ينتقل ببطء فوق رؤوس الأشجار وعلى حافات سواتر التّراب بينما أشعّة الشّمس تتلألأ في الأفق البعيد.

اقتربت حتّى أصبحت على قاب قوسين منه.. التفت فرآها.. لأوّل مرّة يلتقي نظره بنظرها.. إنّها هي تلك الّتي انتظرها دائما.. إنّه هو ذلك الّذي طاف دائما بها وهي نائمة، وهي تسير في الطّريق بين البيت والمدرسة.

طائرا خطّاف رفرفا حول البيت الخشبيّ، اقتربا من السّاقية، حطّا على حافة الماء ثمّ سرعان ما ضربا بأجنحتهما وغابا بين أكداس الغيوم والضّباب.

تملّكه إحساس بأنّه ليس جالسا أمام البيت الخشبيّ في الضّيعة، وتملّكها إحساس بأنّها صاحبة البيت والسّاقية والضّيعة.. مدّت يدها فالتقت بيده.

سارا حيث مجرى السّاقية.

توقّـفت مصوّبة نظرها نحو الأفق من النّاحية الشّرقية، وتوقّف مسرّحا نظره نحو الأفق الّذي يحدّ الضّيعة غربا.

يداهما يشدّهما الدّفء إلى بعضهما.. التفتت إليه فداهمه إحساس غريب.. "قد تلحق به هزيمة مرّة".. أخذ يلتفت وكأنّه لا يلتفت، ولمّا استدار كانت قد حوّلت نظرها عنه.. "أعرفه رغم أنّي لم ألتق به، أعرف أنّ الهزيمة ترعبه".

أحاطا بجذع شجرة اللّوز دون أن تفترق الأصابع.. رأته يرفع رأسه فابتسمت.. "ما أغرب هذا الّذي امتلأت شوقا من أجله".. جال بصرها بمحيط الشّجرة، اختلس النّظر إليها، حالت الأغصان الكثيفة بينهما فرجع البصر إليه كئيبا متثاقلا.. ودّ لو التقى نظره بنظرها رغم إرادته فيلتقط حقيقة مشاعرها، لكن هل يستطيع ذلك وهو العاشق الخائف المتردّد المسكون بها؟

عيناها الجميلتان، أيّ سحر تنفثانه.. شفتاها الطريّتان، وجنتاها الرمّانيتان، قوامها الّذي لا قوام يشبهه.

لو نظر إليها، لو حدّق مثلما فعل دائما وهو جالس لوحده لذاب فيها، ولبحث عن نفسه إثر ذلك فوجدها فتاتا، ذرّات من تراب الضّيعة، قطرات متناثرة من ماء السّاقية.

جلسا عند الطّاولة، احتسيا شايا أخضر بالنّعناع، تأمّلا الفضاء من حول البيت الخشبيّ، حطّ نظرهما على الماء يجري في السّاقية، طيور تحطّ على الحاشية فتلتقط بمناقيرها قطرة ثمّ تقفز فتنغرز بين أكداس الضّباب والغيوم.. طيور تحطّ على حاشية السّاقية وأخرى تحوم حولها.

يداهما مشدودتان.

ودّت لو قالت له أحبك.

ودّ لو قال لها أنت الدّنيا وما فيها.

ودّت لو تأوي إليه وتقبض على الزّمن فتحبسه حتّى يظلّ الغمام في أماكنه يملأ الأفق والشّمس متربّعة فوقه والطّيور تنزل على حاشية السّاقية وتغادرها سريعا، وسريعا ما تعود إليها.

ودّ لو احتضنها، ودّ لو أراح خدّه على شعرها، لو أحاط وجهها بيديه وسافر عبر عينيها السّاحرتين الصّافتين القاهرتين إلى كلّ الدّنيا، ودّ لو تشمّم رائحتها واختزنها في كيانه، ودّ لو أخفاها في سويداء قلبه.

ما ألذّ الشّاي بالنّعناع لكنّ الكأس أصبحت فارغة، ما أروع السّاقية يتدفّق منها الماء صافيا متلألئا، ما أروع الضّيعة تتغذّى بأشعّة الشّموس والأقمار، ما أروع السّماء يعبرها الضّباب والسّحاب، وتعبرها أسراب الطّيور.

مازالت يدها في يده.

لكنّها نهضت.

حاول أن ينهض فلم يستطع.

سحبت يدها من يده وانصرفت متمهّلة، اتّجهت نحو باب الضّيعة.

أراد أن يناديها، أراد أن يلتحق بها، أراد أن يعيدها إليه، أراد أن يحتجزها ويحتجز نفسه في البيت الخشبيّ فأيّ معنى للبيت بدونها، أيّ معنى للضّيعة والأفق والسّاقية والطّيور والضّباب والشّمس والقمر!

أيّ معنى لوجوده؟

أدركت الباب وتوقّفت، غرزت نظرها في نظره، انتفض، اهتزّ، خشي أن يلتحق بها، وخشي أن لا يلتحق بها.

رفرف طائرا الخطّاف ففتح عينيه.. قفز يبحث عنها.. لا شيء غير الطّاولة والكراسيّ وكأسي الشّاي الفارغتين والبيت الخشبيّ وماء السّاقية المتدفّق والطّيور العابثة اللاّعبة وأكداس الضّباب والشّمس المتلألئة في البعيد والأفق اللاّمتناهي.

كان نائما واستيقظ.

انطوى على أحزانه، تجرّع المرارة، أغمض عينيه من جديد علّ النّوم يدركه فيراها، علّها تأتي، علّها تأخذه ويأخذها رغم أنف كلّ الطيور الصّادحة حولهما.

عبد القادر بن الحاج نصر. 2019

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

دمعة على خدّ النّاقة

وجهة نظر مغاربيّة في كتاب: "من أوراق صحفيّ شماليّ "لــ: ثامر سودي قمقوم

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الصّيدلة والأدب