الحنين وسيرة البدايات في «غيمات بيضاء… ما أبعدها!»: مقال بقلم رياض خليف
![]() |
| الحنين وسيرة البدايات في «غيمات بيضاء… ما أبعدها!»: مقال بقلم رياض خليف |
هكذا جاء عنوان الرّواية الجديدة لعبد القادر بن الحاج نصر، المواظب على إثراء المكتبة التّونسيّة بانتظام، من خلال إصدارات متتالية ومتتابعة.. رحلة إبداعية افتتحها بروايته الشّهيرة الزّيتون لا يموت، وآلت إلى حوالي أربعين إصدارا روائيا وقصصيّا، إضافة إلى نصوص درامية أنجزتها التلفزة التونسيّة.
ويبدو عنوان هذا العمل مليئا بالحنين والمحبّة وملمّحا
إلى الذّاكرة. هي الكتابة من مسافة زمنية ومكانية بعيدة، عن زمن يتباعد وبذاكرة
تقاوم النسيان. هكذا هي كتابة الذاكرة لا تحفظ كلّ ما جرى، وهو ما ذكره الكاتب في
تصديره لعمله:
«ألا ما أعجب هذه الذاكرة. تحتفظ بمشاهد وتسقط من
تلافيفها مشاهد أخرى».
هكذا يبسط الكاتب في هذا العمل ذاكرته متحدثا لقرائه من
مختلف الأماكن والأجيال، لكنّه يعبّر في إهدائه عن محبته لقريته، الّتي غادرها منذ
سنوات طويلة ليخوض صراعه مع الحياة، لكنّه ظلّ يتردّد عليها ويقيم فيها فترات من
حياته.
«لك قدر البحار والصحاري والسهول حبّا يا قريتي.. أنكروه
عليّ ومع ذلك أحبّك يا قريتي…»
ويمكن أن نصنّف هذه الرّواية ضمن السيرة الذاتية
الرّوائيّة وهي أحد أصناف السرد السيري تتّسم بغلبة احترام الميثاق السيرذاتي
لفيليب لوجون وتطابق السرد مع ما وقع والسارد مع المؤلّف. فهي كتابة تتبرّأ من
التّخييل وتتعاقد مع قارئها على الصدق، مسمّية الأشياء بمسمّياتها.
وفق هذا المنظور يروي عبد القادر بن الحاج نصر عقوده
الأولى، منطلقا من الحضن الأموميّ، أي البيت وما فيه من أشخاص وفضاءات، وصولا إلى
المدرسة الابتدائيّة ومدينة قفصة ثمّ العاصمة تونس، فهذه السيرة تتوقّف عند بدايات
دخوله إلى المشهد الثقافي والإعلامي من خلال جلسات نادي القصّة والتحاقه بالإذاعة.
ولعلّها كتابة اعتراف تقدّم للقارئ الكثير من عوالم
الرّجل الذاتيّة. فتنفتح ذاكرته على أفراد أسرته وتلك الأجواء العائلية الريفية،
وعلى مدرسته ومعلميه، على غرار «مسيو دارموني المدير معلّم الفرنسيّة بطمّ طميمه
يغمرنا بهذا القدر من العطف والرعاية…» المعلم عليّ حرز الله وهو يستقبله بعد
عودته من المرض.
«مدّ له المعلم علي حرز الله ورقة بسطها أمامه عليها
ملاحظات بالحبر الأخضر.. أحسنت نص جميل…»
ويسرد الكاتب أحداثا أخرى من حياته ومنها رحلات العلاج
وأيام السكن والدراسة في مدينة قفصة ثم العاصمة.
ويفتح بن الحاج نصر ذاكرته الثقافية فإذا هو من عشّاق
برنامج هواة الأدب الذي كانت تبثه الإذاعة التونسيّة، وإذا بالمختار حشيشة يقرأ
قصته.. «فزعت لسماع اسمي، كدت أقبّل جهاز الراديو. هممت بأن أرتمي على النادل
واحتضنته. أرهفت السّمع. نعم إنّها قصّتي الّتي كتبتها بقلمي، بدمي وأرسلتها عبر
البريد، وهذا صوت المختار حشيشة يتفنّن في قراءة مقاطعها مثل نصّ تمثيلي…»
ثم تفوز تلك القصّة بجائزة البرنامج الشهرية ويواصل
الفتى رحلته.
وها إنّ الأديب مصطفى الفارسي يرافقه إلى مجلس بشير
خريف. «قاعة فسيحة لم أر مثلها من قبل يتصدّرها بشير خريف وعلى جنباته علية القوم
في الأدب والفكر والفنّ…».. كان «متسلطنا في الصّدارة ممسكا بأطراف أصابعه الرّقيقة
السبسي الطويل يحشوه تبغا يمصّه بنهم…». ويذكر الكاتب في هذه الواقعة شخصيات كثيرة
مثل الميداني بن صالح ومحمد صالح الجابري والهادي نعمان والمختار بن جنات.
وينال الكاتب إعجاب الزعيم بورقيبة ويثني على قصّته في
احتفالاته السنويّة الّتي كانت تقام بالمنستير ويتفاعل معها «هكذا كان. وانحدرت
دمعات الرئيس…»
ثمّ يستقبله رئيس الوزراء محمّد مزالي في مقرّ الإذاعة
والتلفزة.
«… طوى محمد مزالي درجات السلم طيا. أديب. مفكر ورياضي
بامتياز. قفزت وراءه لاهثا.. أمر لي بقهوة… قهوة بطم طميمها في مكتب محمد مزالي…»
هكذا يروي الكاتب سيرته الثريّة: رحلة نضاله انطلاقا من
القرية إلى العاصمة فإذا بها تعجّ بأسماء مرجعيّة معروفة وإذا به يقدم وصفا لأماكن
مختلفة. فتتعدى الرواية السيرة الذاتيّة الفرديّة لتغدو شهادة على عقود تونسيّة
هامّة.
فهي شهادة على المجتمع التونسيّ في بدايات الاستقلال
وبدايات المدرسة التونسية وما حل بالتونسيين من أمراض، وهي أيضا شهادة على شيء من
الحركة الوطنية ونضال قريته وأخويه الشهيدين. وهي شهادة على الحياة الأدبية التي
سادت عقودا، وعلى تلك الأجيال الأدبية، التي تكاد تنقرض الآن تاركة مكانها لوجوه جديدة.
ولعلّ هذه السيرة تحط بنا أيضا في علاقة السلطة
بالمثقفين وتلك المرحلة التي كان فيها للسلطة اهتمام بالأدب. وهو ما نستنتجه من
خلال تفاعلات الزعيم بورقيبة ورئيس وزرائه محمد مزالي.
هذه السيرة الروائيّة أحاطها الكاتب ببعد جمالي رومنطيقي
وقد لفّها باسم الغيمات وهو اللفظ، الذي حضر في العناوين الداخلية. (طفل الغيمات…
غيمات من الأحلام البكر…غيمات من عالم الفنّ والأدب، سواحل الغيمات، غيمات الأثير…الخ).
والحقيقة أن هذه الغيمات تتحوّل بدورها إلى سؤال مهمّ. أي غيمات يعنيها الكاتب؟ هل
هي تلك التي كان يراها في الطفولة ويراقبها؟
«الغمائم في السماء تمرّ فوقنا فنركض طويلا وراء الظلال
الّتي ترسلها متحدية أشعة الشمس».
هل تنتشر هذه الغيمات وتلقي ظلالها على السيرة الروائية؟
أم أنها غيمات الذاكرة وقد صار هذا الزمن ماضيا بعيدا تحنّ إليه الذاكرة؟ وهل هي
إشارة إلى كتابة الذاكرة وهي كتابة تطارد الماضي وتبحث عن تفاصيله البعيدة لكنها
لا تلتقطها ويغيب أكثرها؟
رياض خليف/ ناقد تونسيّ
نشر المقال يوم 15 فيفري 2024 على صحيفة القدس العربيّ الإلكترونيّ
الرّابط الأصليّ للمقال
.jpg)
تعليقات