تقديم ديوان "غبار الماضي" للشاعر "جمال الدّين حمدي": الإبداع في زمن الفوضى

ديوان: غبار الماضي
للشاعر التونسيّ جمال الدّين حمدي


لم تسقط دولة الشّعر بعد ولن تسقط، فهي باقية ما بقي الإنسان نبضا خافقا متجدّدا على هذه الأرض أمّا الشّعر فإنّما يرتفع به المبدعون، وينزل به المسفّون. وفي التاريخ فترات نزل فيها الشّعر إلى الحضيض على أيدي أشباه شعراء سعوا فقط إلى الشّهرة والظّهور وفترات سما فيها الشّعر على أيدي شعراء آمنوا بأنّ للشّعر منزلة لا يمكن التّفريط فيها، وبأنّ الكلمة الشّعريّة هي غيـر الكلمة المتداولة في الكلام، وفي البيان، وفي الأدب وحتّى في البلاغة، بل إنّ البلاغة هي نوع من أنواع محاكاة الشّعر دون الوصول إلى مرتبته. أمّا الجملة الشّعريّة فإنّهـا الكلمات المعبّرة الموحية المملوءة موسيقى وإيقاعا.

إنّ الخلق الشّعريّ لا يبدأ من فراغ... إنّه يتدفّق كمجرى العين من رحم داخليّ ضارب في الأعماق، من رصيد تحتلّ فيه الثقافة حيّزا أساسيّا، ذلك لأنّ الشّاعر هو أحد أفراد مجتمع متشابك العلاقات والمصالح، ولأنّه أحد أفراده فلا بدّ أن يكون نابضا في قلب كلّ واحد متواجد في أحاسيسه مدركا لهمومه، مسايرا لطموحاته... أي أن يكون الشّاعر حيث يكون كلّ فرد من أفراد الأسرة الكبيرة الّتي ينتمي إليها. إنّ كلّ ما يدور حوله، كلّ ما يقام من بناءات ومدن وقرى وأحياء، وكلّ ما يمدّ من طرق وجسور، كلّ ما يؤسّس من مصانع وما يفتح من أسواق، كلّ الّذين يذرفون الدّموع والّذين يضحكون ملء أفواههم، والّذين يرابطون في العراء دفاعا عن الآخرين والّذين يبتزّون الفقراء، هذا وذاك، هؤلاء وأولئك يمرّون في حلّهم وترحالهم بقلب الشّاعر يغذّون أحاسيسه ويعزّزون رؤيته للكون.

كلّ شاعر لا يعيش هذه اليقظة المتجدّدة لا يمكن أن يدّعى الشّعر. ولكن من نكد الدّهر، أنّ أغلب من يتحرّك على السّاحة اليوم لا يعيش إلاّ لنفسه، ينام ويستيقظ دون أن يعرف معنى اليقظة، تلك اليقظة الّتي تجعله عاملا فاعلا في خضمّ الأحداث وعينا شاهدة على التراكمات الاجتماعيّة خيرها وشرّها. أغلب الشّعراء تزوّجوا الأنانيّة فسقط الحرف والكلمة والجملة والنصّ الشّعريّ إلى درك اللاّمبالاة ودرك اللاّ شيء واللآ شعر.

تطوّر الزمن واختلاف الأحداث وكثرة الأنواع ومع والتّظاهرات والتّأسيس الأدبيّ الواعي، أي التّجديد، كان من المنتظر أن نجد بيننا قمما أدبيّة مثل ابن الرّومي وأبي نواس والبحتري وأبي الطيّب المتنبّي وابن زيدون وشوقي وإيليا أبي ماضي وأبي القاسم الشابي وبدر شاكر السياب ونازك الملائكة وخليل حاوي، وقمما تبدع إنتاجها من إرهاصات العصر ومعاناة المجتمع، وتختزل آلاف محاولات التّجديد لترتقي بالشّعر إلى مرتبة الإبداع وذلك في أسلوب جديد وموسيقى جديدة وقافية جديدة ورؤية جديدة وأدوات جديدة تحمل هموم الناس ومشاعرهم.

أليس من نكد الدّهر مرّة أخرى أن يستقيل الشّعراء، وأنكى من ذلك أن يضحكوا على "ذقون القراء" فيلقون في النّاس نصوصا لا يستقيم فيها المعنى ولا تنبض فيها الموسيقى ولا تنطوي على واحدة من آليات التجديد.

الآن تولد القصيدة (أعني النصّ الشّعريّ) ميتة.

الآن يتمخّض الشّاعر (أعني المدّعي للشّعر فيلد مسخا.

الآن تنشر النّصوص فإذا هي خالية من كلّ همّ من هموم النّاس فكأنّها شظايا مرايا مكسّرة صدئة.

الآن نبحث عن الشّعر فكأنّنا نبحث عن التّبر في أعماق الجبال.

الآن نلهث ونتعب، ونهلك في نهاية الطّريق بحثا عن الشّعراء فلا نجد إلاّ أشباحا فنكاد نختنق بكاء وحسرة وألما.

ومع ذلك فالنّصوص المصنّفة في باب الشّعر تملأ الملاحق الأدبيّة وصفحات الأدب والمجلاّت وتصدر في "الدواوين" وتقرع الأصوات آذاننا عبر الأثير: إنّه الشّعر، الشّعر، الشّعر، فيا خسارة الشّعر ويا نكدنا نحن عشّاق الشّعر. فلو أردنا إخضاع ديوان شعر اليوم إلى مقاييس فنيّة لوجدنا أنّ الفارق بين النّثر والشّعر قد انتفى وأنّه بأدوات الشّعر الحالية يمكن أن نحوّل أيّ فقرة في رواية، وأيّ مقطع في تحقيق صحفيّ، وأيّ خاطرة نقديّة بل وأيّ كلام يتبادله النّاس على قارعة الطّريق إلى شعر. أيّ صعوبة يا ترى في تقطيع الفقرات إلى كلمات وأنصاف كلمات وتوزيعها على مساحات ورقيّة لتصبح إنّ وأخواتها تقاسيم شعرية، وحروف الجر موسيقى، كلّ حرف يختزن في ذاته إيقاع الأوّلين والآخرين؟

لقد أصبحت جملة "رافقت أبي إلى السّوق" وجملة "عدت إلى البيت فرحا مسرورا" وجملة "نزل المطر" شعرا. أرثيك يا أنشودة المطر، وأرثيك يا بدر شاكر السيّاب. وأرثي كلّ الشّعراء الذين لم يزحزحهم أحد من أذهاننا وأرثي رصيد الشّعر الّذي أبى إلاّ أن يظلّ كما هو كمّا وكيفا ليلفظ النّفايات ويدافع عن ومضة الإبداع بقطع النظر عن الزمن وعن القائل.

ومع ذلك هناك أحيانا في خزائن بعض الشّعراء ما يشفي الغليل ويعيد في النّفس ثقتها في المستحيل.

ثقل الأرض فوق أكتافي يا رب    فـوق أشلاء ذاتـــــــــــــــــي

وعلى صفحة السّماء كتبت الشعـــــــر... لكن أين هم روّاتي؟

إنّني تصدّقت بالعمر للشّعــــــــر فللشّعر آخر الصّدقات

تحتسي الصّحائف من شعـــري... وبالدّمع تمّحي صفحاتي.

إنّه جمال الدّين حمدي... ذلك المسافر دائما في الأرض بين النّاس الممتزج بذواتهم المتزوّج همومهم وقضاياهم.

إنّه جمال الدّين حمدي أوّل المعذّبين وآخرهم، يعذّبه شعره ويعذّبه الإبداع وتعذّبه الصّورة. يتعذّب لأجل النّاس وبسببهم محاولا أن يقصر عمره على التّعبير عن وجدانهم مهما لقي منهم من إعراض وتنكّر.

جمال الدّين حمدي هو الشّاعر الّذي يكدّ من أجل أن يقف على الحقيقة، وجمال الدّين حمدي لا يتعب وهو يكدّ، ولا تثنيه العراقيل، ولا تهدّه العواصف، يودّ لو يقول كلمة حقّ، وأن تكون كلمته إبداعا وموسيقى ورائعة من روائع الفنّ، وما ضرّه لو دفع عمره ثمنا لهذه الكلمة السّاحرة. ما ضرّه لو يتصدّق ببقيّة عمره، بل يهب كلّ عمره إلى الشّعر، وهو ما فعل، الأمر الّذي فجّر الصّور الجميلة أنهارا وغابات وصحاري ممتدّة. الشّعر عنده تحوّل إلى فضاء يسع كلّ النّاس، ليظلّ هو الوحيد خارجه لأنّه لا يستقرّ ولأنّ الأمكنة لا تسعه ولأنّ العذاب في داخله حركة مدّ وجزر لا تنتهي.

إنّ الفضاء الشّعريّ الّذي ابتدعه جمال الدّين حمدي هو ألوان وأشكال، وهو صور متتالية تحمل في خطوطها أنفاس الشّاعر الثائرة.

الصّورة الأولى - الهويّة:

للشّاعر هويّة ليست كهويّة الآخرين تشكّلت عبر المعاناة الطّويلة مع المحيط ومع النّاس ومع أعماق الّنفس:

أنا نغمة الصّمت في كلّ ليل ** متى لاحت الأنجم الحالمة

متى سقط الهدب من كلّ جفن ** تعــاكـــســه أدمع ظالمة

أنا صرخة الحقّ في كلّ وهم ** تنمّيه أيّامك الواهمة

أنا ما أزال محيطا عميقا ** ستهوي به جزر عائمة

لأنّي أحبّ الكلام المضيء ** وأكفر باللّفظة الغائمة

حين يحدّد الشّاعر ملامح شخصيّته يرتقي بالوصف إلى مرتبة الإبداع وذلك لأنّه يمتهن الصّدق:

أنا يا غابة الألحــ ** ــــــان أوتار بلا عازفْ

وقلب صاخب الضّخّـ ** ـات في صدر الدّنى الخائف

وسطح سوف لا تؤذ ** يه أمطار الشّتا الراعف

وطود سوف لن ينهدّ ** رغم الصرصر الناسف

صمود هي ساعاتي ** ولكن دمعها ذارف

الصّورة الثّانية - الحبّ:

سأكتب في كلّ يوم على صفحاتي أحبّك

على كلّ درب تسير به خطواتي أحبّك

على كلّ جدران بيتي! أحبّك

على كلّ أجزاء ذاتي أحبّك

الحبّ عند الشّاعر مراحل متعدّدة: إرهاصات وصراعات: بدء لا نهاية له، هو حبّ هادئ صامت ثائر جارف، حزين موتور متشنّج خائف ومنكمش:

إنّي أخاف عليك من سحبي ومن ** حفري العميقة في مسارب حبّنا

وأراك نجما آفلا متشرّدا ** في ظلمة الطّرق الّتي هربت بنا

فتعيد أيّامي الحكاية نفسها ** ولئن سألت تقول: لا أدري أنا

فيؤوب للقبر الزمان وينتهي ** من كان يصرخ دائما إنّي هنا

 

يتواصل الحبّ في رحم القصّة لا يموت ولا يحيا آلة منغمسة في دم الشّاعر تصنع الألم وتغذّيه.

لقد قلت يوما أحبّك لكن وجدت طريقك وعر المسافة

وأخجل لو ضاع حبّي منّي فتبقين في القلب محض خرافة

لأنّ طلاسم عمري كبرى ومسودة لا تطيق الشّفافة

وظلمة روحك ليل عميق وظلمة روحي أشدّ كثافة

الصّورة الثّالثة - العلاقة مع الآخرين:

وتنشرني في سواد اللّيالي

وقد هربت من خطاي الطرقْ

ولم يبق لي الآن في قعر كأسي

وقد يبس الحلق... إلاّ العرق

لأشربه...

سأموت غذا بهاجرة الزيف إذ أحترق

فإنّي غریب مع النّاس

إنّي غريب...

وفي الحزن أغرق... أغرق حتّى العنق

لكم تبدو الصّورة واضحة متكاملة الألوان والمعاني، إنّها تعبير عن مستوى العقوق الّذي يلقاه الشّاعر من النّاس وهُمُ الّذين فتح لهم قلبه فضاء صافيا نقيّا، فتألّبوا عليه، كلّ بما يملك من أدوات الشّرّ والجحود، ممزّقين شرایینه شريانا بعد آخر مستمتعين بالجريمة... وللجريمة مذاق سائغ لدى غلاة الشّعر... فما هو موقف جمال الدّين حمدي؟!

سأرحل عنهم لأسبق عمري وأخلي بناءاته الشّاهقه

سأرحل قافلة من سحاب تودّع أرضهم العاشقه

سأرحل أغلق بالصّمت أذنا تسيء لها شفة ناطقه

ورغم الرّحيل فللشّاعر وقفة يحاول خلالها المصالحة، عالمه فالقلب الكبير مهما اشتدّ نزيفه لا ينغلق ولا يتحجر:

إنّى أتوقّف أحيانا أستجلى الحاضر والآتي

وأخطّ على كبدي شعرا دمويّا ينبع من ذاتي

للناس... لكن ألقاهم أشباحا توقظ أمواتي

فأعود لنفسي ألعنها وتموت بحلقي كلماتي.

الصّورة المتجدّدة - الثّوابت:

للشّاعر وهو حزين، وهو خائب من جراء علاقته بالآخرين ثوابت لا يمكن أن تنهار... فهي كيانه، حقيقة وجوده، قيمته الرّوحيّة في عالم مسكون بالخداع والنّفاق والكذب:

- الصّراحة:

صريح... صريح

أنا قلمي كلساني صريح

- الصّمود:

صمود هي ساعاتي ولكنّ دمعها ذارف.

- الحبّ حتّى الموت:

أحبّك

وأغلى أمانيّ أن يوقف دقّات قلبي بالحبّ ربّك

- الإصرار على الموقف:

وأكتب إني... أغوص بحري وآسف للفكر الغارقة

***

سأبقى أصلّي لوجهك وحدي أريد انفرادي بهذي العبادة

إنّنا أمام شاعر لم يحترف القطيعة مع الشّعر بدعوى التّجديد. ظلّ يصافح أحاسيسه ومشاعره فتتفجّر شعرا أحيانا في شكل عموديّ وأحيانا في شكل متحرّر من البحر الخليليّ.

في كلا الحالتين يلامس الإبداع والتّجديد دون عنف ودون تجاوز للأخلاق والأعراف الفنّيّة.

   الشّاعر جمال الدّين حمدي يعرف كيف يتعامل مع البيضاء يحسّ بحساسيّة الفنّان ترتيب الفضاء المخصّص للكتابة. فكلّ كلمة يضعها على الورقة تحمل عمق العلاقة بين النّاس والأشياء، بين النّاس، والمحيط بين النّاس وأغوار النّفس، وأخيرا بين الشّاعر وهمومه.

إذن فجمال الدّين حمدي لا يكتب للكتابة، ولا يكتب ليعمّر المساحات البيضاء ولا يكتب ليستدرّ تعابير الإعجاب، إنّه يكتب فقط ساعة تصبح الكتابة ضرورة لا بدّ منها، وحين تبلغ شحنة الأحاسيس درجة الانفجار، أي حين يرى الشّاعر أنّه لا بدّ من مخاطبة الآخرين من أجل شيء ليس ككلّ الأشياء. من هنا تتولّد الصّورة المعبّرة، ويبرز الرّمز الموحي وتستقيم الجملة المنتقاة معنى وإيقاعا.

لذلك أقول إنّني كلّما قرأت بيتا من الشّعر لجمال الدّين حمدي وجدت نفسي فيه فكأنّ الهموم الّتي يعبّر عنها البيت هي همومي أنا، وكأنّ المعاناة هي معاناتي الشّخصيّة.

ولذلك أقول أيضا، إنّ مساحة الشّعر لدى جمال الدّين حمدي هي البيت (بالمعنى المادّيّ للكلمة) الّذي يلتقي فيه النّاس فيؤخذون بجمال الهندسة ومتانة البناء وتناسق الأشكال وروعة الإنشاء.

فلله ما أحلى هذا الشّعر في زمن يستقيل فيه الشّعر!

ولله ما أروع هذا الإبداع في زمن أصبح فيه الإبداع من عمل الأوّلين وقلّة قليلة من المعاصرين!

عبد القادر بن الحاج نصر

مقدّمة ديوان "غبار الماضي" للشّاعر جمال الدّين حمدي

تمّ طبعه وإنجازه بمخابر ومطابع "الشّركة التونسيّة للنشر وتنمية فنون الرّسم،

 SOTEPA GRAPHIC

تونس 2003

* الشاعر جمال الدّين حمدي: (27 نوفمبر 1934 - 8 أوت 2000)

صدر له من الدّواوين:

سواحل مهجورة (تونس 1972).

عراجين فضّيّة (تونس 1972).

جرح قلبي (تونس 1994).

وبعد وفاته صدر ديوانه: غبار الماضي (تونس 2003)

 

 

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

دمعة على خدّ النّاقة

وجهة نظر مغاربيّة في كتاب: "من أوراق صحفيّ شماليّ "لــ: ثامر سودي قمقوم

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الصّيدلة والأدب