قراءة في مجموعة: بلابل المدينة العتيقة، بقلم عبّاس سليمان
![]() |
| غلاف المجموعة القصصيّة: بلابل المدينة العتيقة صدرت في 2021 |
تفضل الأستاذ عباس سليمان الناقد الأدبي والمبدع قصّة ورواية بكتابة النصّ النقدي الموالي حول مجموعتي القصصيّة " بلابل المدينة العتيقة " وهو أوّل دراسة تكتب حول هذه المجموعة، فالشّكر والامتنان للأستاذ عباس سليمان.
عبد القادر بن الحاج نصر
******
تترجم
المجموعة القصصيّة: بلابل المدينة العتيقة الّتي كتبها بن الحاج نصّر مقولة
تودوروف "القصّة هي الحياة" ترجمةً مُثلى. فعلى امتداد خمس قصص طويلة
نطالع ديوان حكايات ومواجع ومآسي ومواقف وأحداث سيقت بسرد بدا هادئًا فيما هو في
عمقه هادرٌ لا يشفق ولا يخفي ولا ينسى ولا يستكين إلى الصّمت ولا المهادنة ولا
يترك القارئ دون أن يحفر فيه عميقًا. هو سردٌ تبنّى الهزء والسّخريّة والكوميديا
السّوداء والمخاتلة، وجمع بين أعطافه السّياسة والثّقافة والتّراث الشّعبيّ
والجريمة، وجاسَ في سيكولوجيّة الأشخاص فعرّاها وأظهر المواقف ونقدها وتحدّث عمّا
يربط المجتمع من علاقات فأبدى فيها وجهة نظره وأتى على القِيَمِ فبيّن ما آلت
إليه.
هو سرد تجرّأ على السّياسة وأهلها فتسلّل إلى دروبها
الملتوية وكيف يتبدّل الّذين ينغمسون فيها من حال إلى حال وكيف يدفعهم الخوف على
مآربهم إلى الالتجاء إليها. وهو سرد انساب داخل علاقات النّاس فبيّن كيف تُقام
وكيف تنهار وكيف يصبح قضاء المآرب أكثر تأثيرا من عاطفة الحبّ وسنين الصّداقة
الطّويلة ورباط الزّواج وكيف يصبح السّعي إلى الثّروة دافعا للتّفكير في الجريمة
وكيف تجري الأحداث بما لا تشتهي شخوص السّارد.
على امتداد خمسة قصص طويلة، يطالع القارئ مواجعَ كُتبت
بروح الفلسفة وبروح النّقد لِتُبِينَ على أنّ صاحب المجموعة ليس من الذين يكتبون
لمجرّد الكتابة ولا من الذين يكتبون لإمتاع قرّائهم، إنّما هو من الذين يكتبون
ليضعوا أصابعهم على مواطن الدّاء الّتي تنخر حياة النّاس في إشارة واضحة إلى أنّ
للأدب دورا يتجاوز الإمتاع والإضحاك وفي إشارة أوضح إلى أنّ الكاتب الجيّد
المُجيدَ هو المطّلع على الزّوايا المظلمة والدّروب المخفيّة والمواجع الكامنة في
النّفوس. لقد كُتبت هذه النّصوص بروح المفكّر الّذي لا تهمّه الأحداث بقدر ما
يهمّه ما وراءها وما سوف تؤول إليه وكيف تُدار. ولقد كُتبت هذه النّصوص بتقنية
المَشاهد المُقطّعة تقطيعا المُفصّلة تفصيلا حتّى إنّه ليبدو لمنْ يقرأ أنّه يشاهد
عملا مُتلفزًا وهي تقنية من شأنها أن تُجنّبَ القارئ روتين القراءة والحياد وتجعله
مُراقبًا فَطِنًا ينتظر في كلّ آن أن يجدَّ جديدٌ أو أن ينقلب السّرد أو أن تحدث
المفاجأة.
ولن يخفى عن القارئ أنّ شخصيّات أحمد السّيد وسالم وسرور
ودلال وسلطان وبابا عزيزي ومحرزيّة ونجوى وصالح ودلال وعدل الإشهاد وكاتبه وحمزة
وعامر ومحمود وكمال ليست غير نماذج اختارها بعناية وصرامة بن الحاج نصر ليحرّك بها
حكاياته أو ليبنيَ من خلالها مواقفه فعلى حدّ رأي "هنري جيمس" في مقالته
الشّهيرة "فنّ القصّة" إنّما جُعلت الشّخصيّة للعمل وجُعل العملُ لرسم
الشّخصيّة وجُعلت اللّوحة أو الرّواية لرسم الطّبائع الإنسانيّة.
عبّاس سليمان
بتاريخ 19 أكتوبر 2021

تعليقات