غزوات بني عمّي (3) (قصّة من واقع القرية المرير)

غزوات بني عمّي (3) (قصّة من واقع القرية المرير)


 ومرّ العام الحزين تلاه عام الاستقلال انطلقت فيه الأهازيج في أرجاء القرية ورفرفت الأعلام فوق الدّكاكين وخفقت الأفراح على الوجوه إلاّ عدد قليل اصفرّت وجوههم واختفوا عن الأنظار.

هم الذين باعوا واشتروا في صفوة أبناء القرية.. ورقة صغيرة رسمت عليها أسماء الفدائيّين امتدّت بها يد ملطّخة إلى ضابط الجندرمة ثمّ قبضت ثمن الوشاية، ويوم حصار القرية تبختروا على مسافات متباعدة ونعمة النّقود على ملامحهم.

أيّام قليلة مرّت وكدت أنسى.. الأحداث الحزينة سرعان ما تنكمش داخل نفس الولد الصّغير لتعلو عليها بهجة الحياة.

أيّام قليلة بعد أن رفرفت الأعلام في كلّ مكان أمسك أبي بيدي وقال لي.. ستذهب معي لإخراج جثامين الشّهداء.

صحبت أبي دون أن أفزع ممّا ينتظرني حتّى وصلنا السّدرة العظمى.

وقف أبي مع خمسة من آباء الشّهداء.. فقط الآباء وأنا وطفل آخر.. الجميع يتحسّس المكان بنظره تائها متحسّرا.

السّدرة والحفرة.

السّدرة والجثامين الرّاقدة في التّراب.

السّدرة والواقفون يتساءلون من أين نبدأ النّبش عن الجثامين.

للذّكرى طعم الحنظل في حلقي حتّى هذا اليوم.. رفعت المعاول لتغوص في الأرض وتقلب التراب.. ستّة منحنية جباههم فوق ستّة رفاة تحلّلت وأصبحت فتاتا من تراب.

كنت تحت السّدرة صحبة الطّفل الّذي أتى به والده مثلما أتى بي والدي نقلّب النّظر هنا وهناك، إلى السّواعد تعلو وتنخفض بالفؤوس والرّفوش، إلى السّماء الّتي بدأت تتلبّد ويقترب سحابها من الأرض.. انفجرت الرّعود وخفقت البروق ولمعت بشائر المطر.

أولى القطرات نزلت غليظة ثمّ انقطعت.

تجمّدت الفؤوس في الفضاء ثمّ ألقيت تحت السدرة وهبّ كلّ واحد يلقي ببرنسه على كتفيه، وانفضّ الجمع كلّ في اتّجاه.

المطر على الجبل تزحف نحو براري "أمّ العظام".. أمسك أبي بيدي وقال «أركض بأقصى ما تستطيع.»

السّيل وراءنا وسواد الّليل ينتشر حولنا والأرض أغلبها سدر ونباتات برّية.. لاح أمامنا حوش كبير بين السّدر فاتّجهنا إليه.. استقبلنا في الباب رجل في الستّين من العمر يرتدي جبّة بيضاء وشاشية حمراء فوقها لحفة حريريّة بيضاء.. نظر وأعاد النّظر ثمّ ارتمى على أبي يحتضنه.

- أنت الحاج نصر؟ أنت والد محمد الأخضر؟ يا للزّمن!

أدخلنا الحوش وأجلسنا في غرفة فرشت زرابيّ جميلة.. بعد لحظات قصيرة وضعت أمامنا مجمرة عظيمة وكنّا نقطر ماء.

سرى الدّفء في الأجساد.

كم هو مهيب ذلك الرّجل ولطيف.. أخذته وأبي سمفونيّة ذكريات مختلفة على وقع وشوشات البرّاد ورشفات الشّاي.

كم هو شهم ذلك الرّجل وكريم!

في زمن قياسيّ وضعت أمامنا مائدة عليها طبق كبير من الكسكسيّ يزيّنه "مسلان" الخروف تحيط به قطع من اللّحم وعلى المائدة بجانبه صحفة من الزّبدة البيضاء النّاعمة وحلاّب من اللّبن.

نمت في أحضان أبي على وقع هزيم الرّعد ولمع البرق.

صباحا اجتمع أهالي الشّهداء تحت السّدرة من جديد وبدأوا عمليّة الحفر.

«هذه مزق من برنس فلان، إذن فالعظام عظامه.. وهذا حزام فلان وهذه حلقته الحديديّة إذن فالجثمان جثمانه اجمعوا كلّ عظام لوحدها.. هذه نتف من شعر أسود فاحم فهي إذن لمحمد الأخضر.. نعم إنّها لابني محمد الأخضر.»

أقبلت شاحنة وحملت الصّناديق وحملتنا في اتّجاه القرية.

في حرم صغير ضيّق ذي جدران واطئة أسكن الشّهداء مقرّهم الأخير ووضعوا عند كلّ رأس شهيد شاهد.

عبد القادر بن الحاج نصر

فيفري 2018

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

دمعة على خدّ النّاقة

وجهة نظر مغاربيّة في كتاب: "من أوراق صحفيّ شماليّ "لــ: ثامر سودي قمقوم

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الصّيدلة والأدب