قصّة: غزوات بني عمّي (2)

قصّة: غزوات بني عمّي (2)

عادة لا تغلبني الدّموع لكنّني غلبت.

ظللت مشدوها مشدودا إلى المكان أحدّق في أعجوبة من عجائب العصر.. بئر ضياع لدورة مياه، حفرة عميقة واسعة حاشيتها تحدّ أضرحة الرّاقدين في التراب بطمأنينة من وهب روحه وجسده للآخرين دون أن يطلب شيئا سوى أن ترسم الابتسامة على الشّفاه والفرحة على الوجوه، وأن لا يستطيع أحد حجب نور الشّمس عنهم.

النّاس من حولي يمرّون بمحاذاة الرّوضة، البعض يتوقّف ويلقي نظرة ويزمّ شفتيه أسفا والبعض الآخر يتطلّع ويواصل الطّريق ولا أثر على الملامح.

مراحيض عموميّة ملاصقة للأضرحة!

افعلي فينا يا دنيا ما تشائين.

ما لي أنا وروضة الشّهداء؟

عدت بالخاطر إلى الوراء إلى لحظات مرّت بسرعة لكنّها أدمت الفؤاد.. وأنا أرسم خطواتي الأولى في الطّريق بين المدرسة الابتدائية والمنزل كفراشة الحقول هزّني مشهد القرية تحاصرها عربات الجيش الفرنسيّ والمتسوّقون يقفزون في كلّ الاتجاهات شبه الأغنام الّتي ارتمى ذئب في زريبتها.

التلاميذ والمعلّمون وقفوا محتمين بسور المدرسة يتفرّجون.

الكلّ يرتعش في مكانه.

وانفضّ الحصار وانفضّت السّوق الأسبوعيّة.

جاءني خبر أفزعني.. محمّد الأخضر قبض عليه العسكر وحملوه مقيّدا صحبة عدد آخر من أبناء القرية.

ما معنى أنّهم قبضوا على أخي وحملوه في عربة عسكريّة إلى وجهة غير معلومة؟

تهت بين الأسئلة حتّى أدركت أنّ الحدث كارثة، وأنّ القبض على ثائر مجاهد هو أمر مريع.

جمعنا في المنزل مجلس نحيب وعويل ورأيت أخواتي يمزّقن خدودهنّ بأظفارهنّ والدّم يتفجّر غزيرا.

وبكيت كما يبكي كلّ طفل يغمره ألم غامض لا يستطيع أن يحيط بأسبابه.. أبكي وأستحضر ملامح محمد الأخضر بقامته المهيبة وبشرة وجهه الصّافية ويده الحنون الّتي تمتدّ إليّ بكعبة الحلوى كلّما اعترضني في ساحة المدرسة أو القرية.

أحبّ أخي لأنّه مجاهد وتلك ميزة تملأني اعتزازا أمام التلاميذ، ولأنّه مجاهد فأهل القرية يتحدّثون عنه دائما بإعجاب في ذلك الوقت، في حدود سنوات الخمسينات الأولى.

ثمّ جاء الخبر المريع ذات ليلة.. حملت عربات الجندرمة الثائرين إلى فضاء فسيح مليء بنباتات السّدر بأمّ العظام وأجبروهم على أن يحفروا حفرة كبيرة ثمّ رموهم بالرّصاص وأسكنوهم التراب.

وبكت عائلتي فقيدها، وبكت القرية صفوة شبابها.. والغريب - لم أفهم - أنّ إحدى أخواتي في عزّ المناحة أطلقت زغرودة طويلة.

زغردات في مجلس حزن!

عبد القادر بن الحاج نصر

فيفري 2018

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

دمعة على خدّ النّاقة

وجهة نظر مغاربيّة في كتاب: "من أوراق صحفيّ شماليّ "لــ: ثامر سودي قمقوم

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الصّيدلة والأدب