غَيْمَاتٌ بيضاء... ما أبعدها" لعبد القادر بن الحاج نصّر بقلم: عبّاس سليمان
![]() |
| غَيْمَاتٌ بيضاء... ما أبعدها! |
يشدّني إلى الأعمال الرّوائيّة شيئان
هما اللّغة والثّقافة. فأمّا اللّغة فأطمح وأنا أطالع أيّ عمل أدبيّ إلى أن تتجاوز
السّلامة إلى الأناقة، وأمّا الثّقافة فتتحقّق أساسا حين أشعر أنّ القراءة زادتني
علما وأطلعتني على أسرار وخبايا وزوايا وآفاق لا أعرف عنها شيئا.
وأنا أنهمك في قراءة رواية الأستاذ
عبد القادر بن الحاج نصر الجديدة "غيمات بيضاء... ما أبعدها" انشددت إلى
الاثنتين، اللّغة والثّقافة. لغة صافية أنيقة ساحرة تجعل حبّك للعربيّة يزداد
ويتوهّج، وثقافة طالت مجالات كثيرة كالتّاريخ والجغرافيا والطّبيعة والفنّ والأدب.
الرّواية رحلة طويلة عبر زمن امتدّ من الطّفولة إلى الكهولة مرورًا بفترات
وَسَمَتْ حياة الرّاوي بِسِمَاتٍ مخصوصة، وعبر أمكنة تراوحت بين قرية بئر الحفي
ومدينة قفصة والعاصمة تونس... وفي أحضان تلكم الأزمنة والأمكنة انتمى الرّاوي إلى
المدرسة وإلى المعهد الثّانوي وعولج بالمستشفى وخاض تجارب العمل وشُغف بالأدب
وبالفنّ وقرأ روايات وكتبَ أشعارًا وأقاصيص وانتمى إلى وسائل الإعلام المتاحة في
ذلك الزّمن ... وبهذا السّفر من زمن إلى زمن ومن مكان إلى آخر أمكن للقارئ أن
يطّلع على جانب من حياة الرّاوي/ الكاتب باعتبار أنّ الأدب السّيرذاتيّ باب من
أبواب الاطّلاع على حياة الّذين يكتبونه، بل إنّه أقرب الأبواب إلى معرفة تفاصيلهم
ومحطّات نجاحهم وإخفاقهم وما اعترضهم وما كابدوه لأنّه ملتزم عادة بالصّدق وبحرارة
العاطفة، وباعتبار رواية بن الحاج نصّر الجديدة هذه مندرجة في هذا الجنس. إنّ
ذهابنا إلى اعتبار "غيمات بيضاء..." عملا سيرذاتيّا يعود إلى أنّ
الأستاذ "بن الحاج نصر" إنّما عرض حياته الخاصّة وطابق كثيرا بين
الرّاوي والشّخصيّة الرّئيسيّة معتمدا الحكي الارتداديّ دون أن يحلّق بعيدا عن
الأحداث الّتي جرت ولا عن القارئ الّذي سيتلقّف كتابه مقبلا بشغف على الوقائع
الكثيرة والأخبار المتتالية الّتي عجّ بها السّرد الّذي جعله مراوحا بين الأنا
والهُوَ.
ولدينا اعتقاد بأنّ رواية الأستاذ
عبد القادر بن الحاج نصر هذه ستحفر كثيرا في قرّائها لأنّ هذا النّوع من الأدب
يتميّز عن غيره بالجرأة والصّدق وقوّة التّأثير حتّى إنّ العنوان كان واضحا في
إشارته إلى ما ميّز حياة الرّاوي/ الكاتب من سحب أو سحابات أو غيمات تحجب الشّمس أو
النّور والضّوء مع ما يعنيه ذلك من تقلّص مساحات الفرح وتواتر الأزمات والمواقف
المزعجة وغلبة سوء الحظّ.
"غيمات بيضاء..." رواية لا تضاهيها في فنّ أدب السّيرة الذّاتيّة
غير رواية الأيّام لطه حسين.
عبّاس سليمان

تعليقات