من قصّة: "بلابل المدينة العتيقة"

المجموعة القصصيّة
بلابل المجينة العتيقة
2021


يستمرّ لفيف الأدباء والفنّانين، رعاة السّائرين على الأرصفة، يغدون ويروحون في أزقّة المدينة العتيقة ينامون ويصحون في الشّقق الضيّقة. 

تقدّم اللّيل.. الحلويّات والمرطّبات والمشروبات فوق الطّاولة، باقة من الزّهور اليانعة.. ثلاثتهم جالسون في انتظار أن يأتي فيلسوف التّعاسة.. تقدّم اللّيل وتأخّر الفيلسوف.. قد يتأخّر كثيرا أو قليلا لكنّه سوف يأتي بالتعاسة على طبق من ذهب.

كانت درصاف، بعد أن طال الانتظار قد تعرّت لريشة محمود وغريزة عامر الملتهبة.

تقدّم اللّيل ولم يأت.

غاصوا في الأكل وغرقوا في الشراب.

*****

صعد الفيلسوف الدّرجة الأولى في سلّم العمارة ثمّ الثانية، توقّف وتفقّد حزامه.. أخرج قارورة الويسكي الصّغيرة من جيبه، ازدرد ما تبقّى فيها ورمى بالقارورة وراءه فأحدث الزّجاج فرقعة.

درجة أخرى ثمّ أخرى، اقترب من باب الشقّة، أمسك السّاطور وتهيّأ للضّربة الأولى.. من يا ترى سيكون الخروف الأوّل؟ همّ بأن يطرق الباب.. في التأنّي السّلامة.. رفع يده وطرق الباب برفق.. رفع يده ثانية لكنّها لم تطاوعه، شيء ما حال بينها وبين الحركة، تأمّل اليد وهي مسبلة على جنبه كقطعة حبل.. ابتسم للمشهد البائس.

 يا للتعاسة!

*****

توقّفت درصاف عن الأكل.

- إنّها الخيانة بحقّ.

- ماذا! أيّ خيانة؟

- نأكل ونشرب والفيلسوف غائب!

- كان من الأفضل أن ننتظر.

- لا تفسدي هذه الخيانة اللّذيذة يا درصاف.. ما أروع الخيانة نقترفها ونحن في تمام الوعي والإدراك.

- خيانة أن نستمع إلى ارتطام في سلّم العمارة ولا نستطلع الأمر.

- إنّها قارورة من زجاج.. هذه العمارة القذرة يسكنها الكثير من روّاد الحانات، يعودون آخر اللّيل، يتقيّؤون على درجات السلّم ويرمون بزجاجات الخمر الفارغة.

- ومع ذلك علينا أن نلقي نظرة.. لعلّ الفيلسوف ثقلت عليه حمولة الشراب التي وعد بها فسقطت منه إحدى الزجاجات وأحدثت فرقعة عند السلّم.

وقفت درصاف، فتحت الباب بحذر شديد، أطلّت.. الفيلسوف ممدّد في الفضاء الصّغير الذي يفصل الباب عن آخر درجة في السلّم، ممدّد كأنّه نائم، ساطور وسكّين ذات مدية حادّة، السّاطور عند جنبه الأيسر والمدية عند جنبه الأيمن.. أغمض عينيه مبحرا في فسحة تأمّل عميق.

انحنت درصاف، تأمّلت حركة أنفاسه ثمّ صاحت الصّيحة الكبرى.. ردّد الدّرج صدى الصّيحة التي تسلّلت إلى الآذان من فرجات الأبواب والنّوافذ.

تقدّم اللّيل حتى طلع الفجر.

طلع الفجر والفيلسوف ممدّد أمام الباب على مربّعات الجليز الباردة والثلاثة متحلّقون حوله في صمت مطبق.

عبد القادر بن الحاج نصر

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد