قصّة من مجموعة "حكايا باريس": معطف وقهوة ساخنة
![]() |
| غلاف المجموعة القصصيّة: حكايا باريس من منشورات "زخارف عربيّة" 2023 |
عندما نزلت بباريس بداية السّبعينات دون هويّة، دون سند مادّيّ، لا أملك غير حلم أكبر منّي شبيه بالجنون.. السّكن كان همّي الأوّل والمأكل همّي الثّاني، رأيت المدينة على اتّساعها مغلقة والنّاس على اختلاف أجناسهم وألوانهم وثقافاتهم لا يشدّهم إلى بعضهم إحساس ولا عاطفة.
كدت أطوي الصّفحة وأعود من حيث أتيت فتذكرة العودة
مطويّة في جيبي ولولا شابّ من طينتي مدّني بعنوان حائك قد أجد عنده عملا، ساعتان
أو ثلاث في اليوم إن حالفني الحظّ.
الحائك يهوديّ وورشة الحياكة صغيرة وضيّقة يعمل فيها
بالإضافة إليه زوجته وعاملان.
قال لي هل تعلم ما المهمّة الّتي ستقوم بها فأجبته
بأنّني لا أستنكف من أيّ عمل أكلّف به.
مدّ لي سطلا مملوءا ماء ومعه بعض موادّ تنظيف مختلفة
وأمرني بأن أعيد للأرضيّة ألقها وبعد ذلك أغسل بلّور الواجهة كما يغسل الإنسان
وجهه، ومقابل ساعة من العمل دريهمات معدودات.
لم أجد في ذلك حرجا، أمسكت بالمكنسة والسّطل وموادّ
التّنظيف وتوكّلت على الله ولم يبخل عليّ العرف طوال فترة العمل بتوجيهاته.
رأيت منزلتي الاجتماعيّة ترتفع في عاصمة النّور فها أنا
أشتغل حتّى لا أضطرّ لأن أخرج من جيبي تذكرة العودة إلى تونس.
في الغد، بعد أن أنهيت ساعتين من العمل وضع العرف على
ظهر درّاجة كدسا من المعاطف والبدلات وطلب منّي أن أمسك بالمقود وأسير راجلا حتّى
أوصل الملابس إلى أصحابها وقد سجّل عناوينهم في قائمة مفصّلة.
في الأنهج
الملتوية كنت ممسكا بالمقود وكأنّني ممسك بخناق سارق أحرص على أن لا يفلت منّي ومع
ذلك مالت الدّرّاجة أكثر من مرّة وأفلتت منّي لأسقط فوقها على حاشية الرّصيف، وكم
كنت أشعر بالخجل والمّارة ينظرون إليّ بعضهم شفقة وبعضهم استغرابا.
حين يأتي وقت الغداء يأتي العرف بنصيبه من الطّعام ويقول
لي سوف تشاركني وجبة الغداء بمعزل عن الآخرين.
كانت هذه الحركة تمثّل لي منزلة فوق المنزلة، وترفع قدر
العرف في نظري.
آكل قليلا فأشعر بالدّفء والطّمأنينة.
الوقت شتاء وأنا أعاني قساوة البرد، سألني لم لا أرتدي
معطفا فلجأت إلى الصّمت. أدرك الحائك جوهر ما أحاول إخفاءه عنه، اختفى لحظات ثمّ
جاءني بمعطف يبدو أنّ أحد الحرفاء قد رفضه لعيب فيه. كان المعطف أكبر منّي قليلا
لكنّني كنت أشعر وأنا أرتديه بالنّشوة العارمة إذ به أصبحت قادرا على تحدّي أشدّ
موجات البرد التي تكتسح فضاءات باريس وبه أصبحت حين أقف أو أجلس أو أسير مع صديق
لا أشعر بمركّب نقص.
أيّام السّبت صباحا أعمل ساعتين من الثّامنة إلى العاشرة
ثمّ أتسلّم أجرتي الزّهيدة دون زيادة أو نقصان، أستقلّ المترو لأترجّل في شارع سان
ميشال وأتّجه إلى مقهاي المفضّلة حيث أتّخذ ركنا يمكنّني من النّظر إلى الغادين
والرّائحين وأنا أترشّف قهوة يمتزج فيها البنّ بالحليب.
يوم واحد فقط هو يوم السّبت أشعر بأنّني أستوي مع بقيّة
البارسيّين الذين يؤمّون المقاهي ويتمتّعون بالجلوس المريح والتّماهي مع بخار
القهوة السّاخنة.
يوم واحد لا غير في الأسبوع، يوم يبدأ في الحادية عشرة
وينتهي في منتصف النّهار.
عبد القادر بن الحاج نصر

تعليقات