مقطع من رواية: بتلات الأقحوان

غلاف رواية: بتلات الأقحوان
 

إنّه الأصيل، نسمة منعشة تلفح وجهه.

رحلة الأقدام المتعبة، غفوة النّفوس الهائمة.. جلس على حاشية الرّصيف قبالة دار الفتاة العاملة.. ماذا بقي في الجراب، لا شيء، لكن ستأتي بهيجة وتبدأ الحكاية من جديد.. لم لا؟ سيقلب الصّفحة بل سيمزّق الورقة ويرمي بها في سلّة المهملات، لم لا يجلد ذاته، يجلدها حتّى يتفجّر الدّم من الأوردة!

غرز مرفقيه في ركبتيه وأحاط وجهه بذراعيه.. لقد خنت بهيجة فخنتني يا زمن.

ستعود من أسواق المدينة العتيقة أو من الخلوة أو من ساحة العمارة ذات السبعة طوابق، ستعود متثاقلة الخطى، مثقلة الخاطر، موجوعة، بيدها كيس من البلاستيك الشفّاف، أزرق سماويّ أو أصفر في لون بتلات الأقحوان، أو ورديّ في لون صدارها، في الكيس سنويدتش محشوّ بشرائح البطاطا المقليّة وبالهريسة عصير الفلفل الحارّ، وبعض زيت النبات وحبّات زيتون، وواحدة من مشتقّات الحليب.

يعرف مروان، إذ حدّثته بهيجة، أنّها غالبا ما تضع الكيس فوق الطّاولة وتجلس على حاشية السّرير بعض الوقت ثمّ تسند رأسها على المخدّة، تتكوّر على نفسها ولا تستفيق إلاّ صباح الغد دون أن تتناول شيئا ممّا في الكيس.

يا للكيس الأصفر في لون بتلات الأقحوان، تفتحه، تتأمّل شريحة الخبز المحشوّ بشرائح البطاطا وشتّى البهارات فتتنهّد ثمّ ترمي الشريحة وما بداخلها في الصندوق الأسود الكبير المخصّص للقمامة.

كنت أسرق بعض نقودها ولمّا تتفطّن تخرج ما في الحقيبة وتعدّ النقود متعمّدة قطعة قطعة والأوراق ورقة ورقة ثمّ تحدّق فيّ وتبتسم.

غابت شمس النّهار، سطعت أضواء المصابيح، تثاءبت القطط وتقاطرت نحو صندوق القمامة الذي ينبعث منه خليط من روائح قذارات سكّان المدينة.. شدّه المشهد، قطط تتمطّى، تمدّ ظهورها وتحنيها فتزداد طولا بينما تلتصق كروشها بالأرض، تقفز فوق حواشي الصّندوق، تنظر، تحدّق تدير رؤوسها هنا وهناك، تحرّك أذنيها واحدة بعد أخرى لتلتقط كلّ الذبذبات من حولها، تمسح أطراف الفم بلسانها وتقفز داخل كدس القمامة.

تأخّرت بهيجة عن الوصول.

ترى ما الّذي أخّرك يا بهيجة!

أقول لك شيئا يا بهيجة.. إنّ التدخين محنة وتناول الشراب محنة وتعاطي الزطلة محنة، لكنّها محن خفيفة الوطأة أمام محنة صحبة العابرات.. إنّها سرطان يسري في العروق يتحكّم في حركة الشهيق والزفير.. في داخلي يا بهيجة جسر ضيّق طويل تمرّ عليه كلّ ليلة عابرة.

شبعت القطط وبدأت تقفز خارج صندوق القمامة، تتمطّى وتتمسّح على جذوع الأشجار وعواميد الكهرباء ثمّ تركض ملاحقة بعضها في لعبة كرّ وفرّ.. لكن هناك يا بهيجة من لا يتمطّى ولا يتمسّح على جذوع الأشجار وعواميد الكهرباء.. رأيت أحدها يغادر متثاقلا، لم يلاعب القطط ولم يجر وراءها ولم يقترب منه أيّ قطّ، كان حزينا متعبا خائفا.. دسّ رأسه بين قائمتيه الأماميّتين وأغمض عينيه واستغرق في السّكون.

قلت في نفسي هناك يا بهيجة قطّ يشبه مروان، يشبهني.. هذا القطّ المتمدّد بالقرب منّي هو أنا، أنا مروان المقرفص على حاشية الرّصيف أنتظرك.

طيفان قادمان يتلألآن في فضاء المكان كما تتلألأ أوراق الأشجار تحت أشعّة المصابيح.. عابر وعابرة! عاشق وعاشقة! وصلة موسيقى تحمل في نوتاتها قصّة حبّ! الحبّ حين ينشب أظفاره في القلب يحوّل المجنون العاشق إلى شمعة تحترق.

أغمض مروان عينيه ثمّ فتّحهما جيّدا، ضرب برموشه، استعذب المشهد وهو يقترب منه.. كم سار هو وبهيجة تحت أشعّة المصابيح في هذا المكان، في هذه السّاحة قبالة دار الفتاة العاملة.. رائحة عطر بهيجة تسكن ألياف كبده، نبرات صوتها تتردّد في وجدانه على مدار السّاعة.

بدت الملامح تتجلّى.. العينان والشفتان والخدّ والرّقبة حتّى الصّدار الورديّ، حتّى الفولارة الأقحوانية، حتّى الحذاء.

يا الله إنّها بهيجة!

بهيجة وعابر سبيل!

بهيجة وعابر سبيل يتهامسان يتماسّان يتعاشقان!

نهض مروان متثاقلا.. أثقلته قساوة الواقع.. اقتربا منه.. نظرت إليه بهيجة مبتسمة.

يا الله إنّها تنظر إليّ!

كادت تدوس على قدمه.. ضحكت.. توقّفت، حدّقت فيه كأنّما تحدّق في خرقة ملقاة على حاشية الطّريق.. التفتت إلى صاحبها وقهقهت.

- هذا مروان صديقي.. لا أريد أن أعرّفك به فهو عابر سبيل، سلّمت عليه ذات يوم في فضاء محطّة النقل بين المدن ثمّ نسيته، غابت عنّي ملامحه وها انا الآن قد تذكّرته.

قرصت بهيجة مروان من خدّه ثمّ واصلت الطّريق متأبّطة ذراع صاحبها الذي ارتفع صوته مدندنا:

" ساكن في حيّ السيّدة

وحبيبي ساكن في الحسين."

عبد القادر بن الحاج نصر

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد