زهايمر
![]() |
| زهايمر، قصّة لــ: عبد القادر بن الحاج نصر |
اتّخذ
مجلسه في المقهى كما يفعل الطّائر، تململ في كلّ الاتّجاهات، نظر حواليه، مسح
بكفّه ظاهر المقعد، جلس وأخرج صحيفة من جيبه الدّاخليّ، كانت مطويّة ففتحها ثمّ
طواها، تحسّس بالسبّابة والإبهام سمك الورق، رقّته، صلابته.. بسط الصّحيفة على نصف
الطّاولة، أغمض العين اليسرى كما يفعل على الدّوام في مثل هذه الحال.. أطبق
الرّمشين وضغط عليهما بقوّة ليعطي للعين اليمنى القوّة الكاملة فيقرأ بين السّطور
وما تحت السّطور وما تخفي الحروف.
ترشّف
القهوة السّوداء.. فتح العين المغمضة وبذل قصارى الجهد للحظات معدودة كي يكون
التّناظر بين العينين أمام الفضوليّين مائة في المائة.
هزّ
كتفيه هزّا خفيفا.
خفق
نور شمس الصّباح من وراء بلّور النّافذة.. الشّتاء قارس والرّيح العابرة تصفر بين
أغصان شجرة الصّفصاف حارسة المقهى كأنّما توزّع الهواء والبرد على المحيط بمقادير
عادلة.
باردة
هضبة سيدي بوسعيد بردا تنحني له الرّؤوس والظّهور، وتتكوّر الأصابع في جيوب
المعاطف القطنيّة وتتيبّس الشّفاه.. باردة المقهى على هضبة سيدي بوسعيد.
مهما
اشتدّ البرد فسينتظرها.. لن يغادر المقهى حتّى وإن انتصف النّهار وتجلّت الشّمس
وانهزم الصّقيع، وتحوّلت الرّيح إلى نسمة دافئة منعشة كأنفاس حبيبته.
حبيبتي
كانت هنا.
حبيبته
كانت هنا منذ ثلاثة أيّام حسب ما يتذكّر.. كانت هنا، احتسيا القهوة معا.. يتذكّر
ذلك جيّدا.. تصفّحا الجريدة اليوميّة معا.. استعرضا أخبار الدّاخل والخارج وطويا
الجريدة معا ثمّ تبادلا نظرة حشر فيها كلّ منهما ما استطاع من أحاسيس ملتهبة.. مفتعلة!
معدّة من قبل بترتيب.
كلّ
منهما كال نظرة الآخر على هواه ووزنها حسب رغبته.
تجرّأ
فمدّ يده ووضعها في يدها، لو لم يبادر هو لتجرّأت هي.. نعومة الكفّين أشاعت دفئا
حميما انساب عبر العروق وسكن القلب.
تململ
في مقعده فلامس كتفه كتفها.. تنهّدت فتنهّد.. لو لم يفعل ذلك لتزحزحت هي ولألقت
كتفها على كتفه.. الكتف على الكتف.. هو أطول منها قليلا، ولأنّها تدرك ذلك تطاولت
قدر ما استطاعت ليكون الإحساس بالجسد من وراء الملابس مشتركا متعادلا.
حرّك
ركبته فارتسمت ابتسامة على شفتيها.. لمّا لامست ركبته ركبتها، ثمّ فخذه فخذها
ابتسم.
العين
في العين.
استدار
بقدر فاستدارت، أحسّ - مجرّد إحساس - وصدره على قاب قوسين من صدرها أنّ عيون
الحرفاء مسلّطة عليهما فاحتفظ بمسافة القاب قوسين بينهما.. كانت همّت بأن تستدير
ليواجه صدرها صدره لولا أنّه سبقها بلحظة لا تحسب في الزّمن.
ما
أثقل الفضوليّين! خسئ الفضول وخسئ الفضوليّون.
مدّ يده بعصبيّة إلى فنجان القهوة.. أخذ رشفة واسترق
النّظر هنا وهناك.. كانت على وشك أن تمسك بفنجان القهوة لكنّه طبعا سبقها.. بين
رشفته المتأنّية الطّويلة الممطّطة ورشفتها فاصل ثقيل من الزّمن.. يتذكّر جيّدا..
يتذكّر حتّى ذرّات الغبار الّتي تدافعت وتزاحمت في حيّز شعاع الشّمس الّذي اخترق
زجاج النّافذة.
انتصف النّهار.. أوراق الصّفصافة ترتعش بفعل هبوب
الرّيح، تقترب من بعضها وتفترق.. سحر الجاذبيّة يقرّب الأوراق نحو بعضها فتستسلم
الورقة إلى أختها.. ثمّ.. تعصف الرّيح.
تعصف الرّيح وتهدأ.. يمرّ الزّمن وهو يتذكّر ولا ينسى
أبدا.
انتصف النّهار وزيادة.
انتصف مثلما انتصف كلّ يوم من الأيّام الماضية.. قبل
ثلاثة أيّام كانت هنا.
*****
على مائدة الأكل بعض من شراب خفيف، مفتّحات وبعض مأكولات
لذيذة، شرائح لحم وسمك التقطته شباك في أعالي البحار.
بادر فأمسك بالشوكة وغرزها في شريحة اللّحم.. نظرت إليه
متعجّبة.. ألقى بشريحة اللّحم في فمه وأعمل فيها أضراسه وهو يباعد بين شفتيه
ويقرّب بينهما بحركة منتظمة وغير منتظمة حسب موضع الشّريحة في الفم.
الكتف بعيد كلّ البعد عن الكتف فبين الجسدين مسافة
كالمسافة بين ساق وأخرى من سيقان الطّاولة.
أمال رأسه وألقى عليها نظرة عاشقة.
العاشقة تفادت النّظر في عينيه ونظرت إلى أذنه بعفويّة
كما يتوقّف النّظر على لوحة معلّقة في جدار.. شعرات بيضاء نافرة متمرّدة تطلّ على
المحيط.. لو تجرّأت الرّيح فتجاوزت الأبواب لفعلت فعلها في الشّعرات فرفرفت كأوراق
الصّفصافة.
شعرات أذن العاشق المتجمّدة وأوراق الصّفصافة المتحرّكة!
ههه، ههه ثمّ ههه.. مشهد متحرّك هناك ومشهد متجمّد هنا..
أرأيت أنّه لم ينس شيئا.
أغمضت عينيها، فاصلة من زمن تهدّئ فيها حركة صراعاتها
الدّاخليّة.. بادرت فمدّت يدها لتمسك بالمنديل لكنّه سبقها، رفع المنديل ومرّره
على شفتيه.
بين فاصلة زمن وأخرى ظلال تمايلت على الجدار وموسيقى
جداريّة انبعثت ممّا لا يدري.. ههه.. الكاتب يستعير من المحيط بعض أدوات الكتابة..
العبارات تتزاحم فتلد غرائب وعجائب قد يشمئزّ منها القارئ.
يتذكّر جيّدا، يتذكّر تفاصيل حركاتها وجزئيّات جسدها،
ويتذكّر الإحساس الّذي سرى من كفّها إلى كفّه والإحساس الّذي سرى من يده إلى يدها،
ويتذكّر جيّدا أنّها أغمضت عينيها.. وهل ينسى الكحل في رموشها، وحمرة الشّفق على
شفتيها، ويتذكّر جيّدا - ترى كيف ينسى - أنّها ارتعشت لمّا قبّلها من أعلى رأسها
حتّى أخمص قدميها.
لكن قبل ذلك وهما على طاولة الأكل!
يتذكّر أنّه كان يأكل بنهم وأنّها تنظر إليه بإعجاب..
الشّوكة بين أصابعها ساكنة في شريحة اللّحم.. أكثر من ذلك يتذكّر أنّها قصّت
الشّريحة شرائح كبيرة، وأطعمته إيّاها، وأنّه كلّما ازدرد قطعة طبعت على شفتيه
قبلة مرصوصة لفتت فضول حرفاء المطعم.
كان سعيدا سعادة لا حدّ لها.
يتذكّر جيّدا، فله ذاكرة فيل، أنّها ذبّلت عينيها، ومصّت
شفتيها، وأمسكت بيده بحرارة لم يعرف مثلها في حياته.. يتذكّر أنّها نهضت ووضعت
حقيبتها على كتفها وانحنت.. يا ما أروع انحناءتها! يتذكّر رائحة طيبها الّتي
انتشرت في المحيط وأنّه أغمض عينيه تحت تأثير القبلة المرصوصة.. ويتذكّر وقع
خطواتها وهي تغادر المطعم، وكان يستمع دون اهتمام كبير إلى وشوشات الإعجاب ووشوشات
الحسد.
إنّه يتذكّر كلّ شيء، ويتذكّر أنّها ذهبت ولم تأت منذ
ثلاثة أيّام.
مثل الطّائر الّذي يستعدّ لمغادرة العشّ تململ، تباطأ،
أحنى رأسه ورفعه، ولمّا اطمأنّ نهض وغادر المكان.
لمّا وضع قدمه على العتبة تذكّر أنّه لم يغادر المنزل
وأنّ هذه العتبة ليست عتبة المقهى أو المطعم وأنّ أصابع الزّمن قد عبثت بحبّات
المسبحة ومازالت تعبث بها.
أغمض العين اليسرى، وأطبق على الرّمشين وضغط عليهما
بقوّة حتّى يعطي للعين اليمنى القوّة الكاملة.. الباب باب.. لكن هل هو باب المنزل
أم باب المقهى أم باب المطعم؟
إنّه يتذكّر جيّدا ولا ينسى شيئا.. لكنّه لا يتذكّر هل
أنّ زوجته نائمة في المنزل أم أنّها خرجت البارحة ولم تعد.. يتذكّر كلّ شيء جيّدا
جيّدا.
عبد القادر بن الحاج نصر

تعليقات