هنشير اليهودية رواية للدكتور عبد القادر بن الحاج نصر، بقلم عائدة عبد الحميد
![]() |
هنشير اليهودية رواية للدكتور عبد القادر بن الحاج نصر |
تفضّلت
الأستاذة المبدعة عائدة عبد الحميد بنشر دراسة أدبيّة معمّقة في أحد أعداد مجلّة
"الحياة الثقافيّة" حول روايتي "هنشير اليهوديّة" وإنّني
لممتنّ لها وشاكر لها هذا الحرص المتواصل على التعريف ببعض كتاباتي السرديّة من
مجموعات قصصيّة وروايات.
****
هنشير اليهودية، الرواية اللّغز الّتي
أثارت أكثر من سؤال، أوّل هذه الأسئلة هل أنّ الروائي عبد القادر بن الحاج نصر
بصدد تاريخ ثورة الياسمين الّتي اندلعت نيرانها في إطار ثورات الربيع العربي الّتي
أحرقت الأخضر واليابس في العراق وفي سوريا وفي اليمن. وها هي اليوم تستكمل نضجها
في ليبيا لتسرق خيراتها ولتنكد عيش أهلها ولتنكل بأبنائها وبما أنّ الرّواية بناء
على كونها حكاية تعتمد الواقع فهل الكاتب بصدد توثيق هذه المرحلة الحرجة من تاريخ
تونس يوثّقها كواقع عايشه وتابع أحداثه؟ يقول الروائي المكسيكي كارلوس فوينتس وهو
يُعرّف الرّواية... هل ماتت الرّواية بموت الواقع وهل ماتت الحكاية الّتي هي أساس الرواية؟
ولا بد من الإشارة هنا إلى أنّ
الحكاية في هذه الرواية لم تمت بل نضجت لتردّ الروح إلى الرواية كواقع عايشه
السارد فاكتوى بناره.
كتبت نصوص هذه الرواية بسلاسة في الأسلوب وفي
تمرير الأفكار الّتي كانت تنساب في يسر انسياب الماء في الجداول وبلغة أنيقة لم
يؤثّر فيها صقيع الربيع العربي الّذي وكما يقول نجيب محفوظ مازال هذا الربيع يواجه
أعتى العواصف.
نلاحظ أنّ هذه الرواية قد غيّرت مجرى
الأحداث في الرّواية التاريخيّة الّتي تستلهم الأحداث من الماضي لتعرضها على
الحاضر بحثا عن انتصارات الأمم السابقة على الغزاة أو بصورة أوضح على من جاء
ليستعمر الأوطان بعكس ما نلمسه في هذه الرواية الّتي نراها بصدد تأريخ هذه المرحلة
الّتي لا نزال نعاني من تبعاتها، أي أنّ الكاتب يحوّل أحداث اليوم لتنقلها مرآة
المستقبل الّذي يقتات من الحاضر المهيمن علينا اليوم والّذي يجب أن يظهر فيه
التغيير إيجابيا وأن يعطي ثماره وليس سلبيا ومصابا بالعقم.
هناك ميزة أخرى أثارت انتباهي فيما نقله إلينا
الكاتب وهي أنّه لم يتخفّ وراء رموز ولم يلجأ إلى التلميح بل بدت مواقفه واضحة لا
تقبل التأويل وأنا أكبر فيه هذه الشهامة وهذه الجرأة وهو يقدّم الأحداث مستعينا
بأصوات أبطال روايته.
ملاحظة: يمثّل هذا النصّ جزءا من
مقال عنوانه هنشير اليهودية للروائي والكاتب عبد القادر بن الحاج نصر سيتمّ نشره
بإحدى المجلّات الثقافية.
"هنشير اليهودية" في طبعة أولى صادرة
عن الشركة التونسيّة للنّشر وتنمية فنون الرسم في 2016 للدكتور عبد القادر بن الحاج
نصر هو العمل الروائي الّذي تجاوز عدد صفحاته الأربع مائة وزّعت كالآتي الجزء الأوّل
"رقصة الأشقياء"، الجزء الثاني "ويا زمن"، الجزء الثالث
"ويا وجع"، الجزء الرابع "ويا مكان"، الجزء الخامس "ويا
حزن"، الجزء السادس "ويا فوضى"، الجزء السابع "ويا دنيا
دوري"، والجزء الثامن وهو الجزء الأخير في الرواية والّذي حمل عنوان
"وتلك هي الأيام".
مثّلت هذه الأجزاء الثمانية لوحات سردية تناولت
حياة شخصيّات عديدة علا صوتهم ليثبتوا وجودهم في مرحلة تغيير شامل قلب كلّ
الموازين الّتي كانت سائدة مرحلة انقلاب كامل ومرحلة تحرّر كامل من كلّ القيود الّتي
كانت تكبّل حركة الفرد في علاقته بالآخر أفقيا وعموديا، مرحلة استبيحت فيها كلّ
المعاصي وكلّ المهالك أي مرحلة فوضى عارمة قوّضت أعمدة السلطة أي أعمدة النظام الّذي
كان سائدا فاختلط الحابل بالنابل وأدخلت البلاد في حالة ارتباك مرعب طال كلّ المؤسّسات
الّتي كانت في حالة نشاط قبل اندلاع نيران ما سمي بالثورة وهي في الأصل ليست ثورة
بل هي انتفاضة تحوّلت إلى فوضى عارمة قدحت زنادها الأيدي الخبيثة قصد الاستيلاء
على الحكم في لحظة انفلات غير مدروسة قدّرها القدر... وللقدر أحكامه...
تمّ استغلال هذه اللّحظة المنفلتة في
واقعة البوعزيزي الّذي سكب البنزين على جسده وأشعل النار فيه ليموت محروقا بسبب
خلاف مع الرقابة البلدية الّتي منعته من الانتصاب العشوائي كبائع خضر... لحظة غضب
منفلتة أشعلت النّار في جسد هذا الشابّ الّذي سعى إلى توفير قوت عياله ليس بالسرقة
او بالاستيلاء على أموال الاخرين وانما بالعمل، لحظة غضب سارعت بإزاحة النظام
القائم ليحلّ محلّه في اليوم نفسه القادمون من وراء البحار ليستولوا على السلطة وعلى
ثروات البلاد وليسكنوا القصور بعد أن اختاروا لهذه الانتفاضة اسم الثورة مسنودين
بقوى خارجيّة استعماريّة دفعتهم دفعا للحلول بالبلاد بهدف الإسراع للمسك بمقاليد
الحكم قبل أن يسبقهم غيرهم إليه، مؤامرة حبكت خيوطها بإحكام خارج البلاد استهدفت
الوطن في عمقه...
استرعت هذه الرّواية انتباهي حالما
وقع نظري على صورة غلاف الكتاب وهي من تصميم محمد فاخر عبد الهادي، بل صدمتني هذه
الصورة أو بالأحرى جفلتني كنت على وشك أن أعرض عن قراءتها ولكنني تمهّلت وانتابتني
الحيرة وأنا أقرأ العنوان هنشير اليهودية. استوقفني هذا العنوان الّذي كتب باللون
الأحمر القاني، بلون الدّماء الّتي سالت في ذلك اليوم المشهود الّذي لم تمح صورته
من ذاكرتي، اللّون الأحمر القاني امتزج باللّون الأسود لون الحزن والهم والفجائع،
لونان يثيران الفزع في القلوب. أمّا اللّون الأصفر الفاقع الّذي توسّط صورة الغلاف
فهو يشير إلى النيران الملتهبة والّتي امتد لهيبها إلى مرفأ سيارات مركونة بالحيّ.
أعادت إليّ هذه الصورة الإحساس بفقدان الأمان في ذلك اليوم المشؤوم يوم تلك
الانتفاضة الّتي زعزعت لدينا الشعور بالأمان وبعثت في القلوب مشاعر الفزع والرّعب
الّذي تفشّى في كلّ الأماكن الّتي حرق فيها الأخضر واليابس، فترة تاريخيّة سوداء
الملامح اجتاحت البلاد فجأة فخرّبتها بحيث لا يمكن للنسيان أن يطالها. أبرز العنوان
وصورة الغلاف مدى العنف الّذي ظهر في أوجه يوم رحيل النّظام السّابق أي أنّ العتبة
الأولى وكذلك العتبة الثانية أبرزتا مدى الهجمة الشرسة على البلاد وعلى العباد في
ذلك اليوم الّذي كان انطلاقة لما سمّوه ثورة الياسمين، هذا اليوم الّذي روّع
الأهالي بما اقترفه هؤلاء الغرباء من جرائم بشعة في حقّ الوطن...
أن يحاول روائي تونسي تأريخ مرحلة
سياسية وأمنيّة ومفاهيميّة حرجة عايشها الشعب التونسي بكلّ تفاصيلها في لحظة
انفلات غير مدروسة راوغنا بها القدر عقب يوم مشهود ليس كبقية الأيام في أهميته
وفيما سوف يترتّب عنه من تغييرات وتحوّلات جذريّة تقلب كلّ الموازين التي كانت
سائدة في البلاد ليعتبر عملا عظيما يخدم الوطن ويدعو إلى التجميع وليس إلى
التفريق.
هذه الانتفاضة التي أشعلت النيران في
البلاد وبعثت الفوضى في كلّ ركن من أركانها وقوّضت أعمدة النظام القائم آنذاك في
ساعات قليلة ممّا جعل المشهد في البلاد يدخل في حالة ارتباك شديد ومرعب طال كلّ
المؤسّسات التي كانت في حالة نشاط قبل اندلاع نيران ما سمّي بثورة الياسمين رسمت
ملامحها هذه الرواية التي أصبحت مرآة تعكس الحاضر للمستقبل توقّيا للصدامات وإثباتا
لاستمرارية الحياة وحفاظا على الأوطان فالمستقبل سوف يقتات من هذا الحاضر الّذي
نعيشه اليوم لاستخلاص العبر منه.
رواية تصلح كوثيقة تاريخية شبه رسمية
بالإمكان اعتمادها كشاهد في المستقبل.
قالوا له سيدي الرئيس الشعب غاضب فلم يأبه. أعادوا
عليه نفس القول فتجاهلهم. حذّروه ممّا يحدث في الحوض المنجمي في شركة الفسفاط في
قفصة، قالوا الأزمة هناك تتفاقم فواصل صمته كأنّه غير واع بما قد ينجر عن هذا
الوضع الحرج القابل للتصعيد والذي قد يهدّد الأمن في البلاد. واجهه كبير وزرائه
بقوله الوضع يزداد تعقيدا سيدي الرئيس، أصحاب الشهادات العليا تنهشهم البطالة
ووضعيتهم لا تطمئن، أدار له ظهره ودخل قصره ليحمل آخر مولود له بين ذراعيه. ألهاه
هذا الرضيع عن الاهتمام بالوضع المتردّي الذي وصلت إليه البلاد في كلّ القطاعات من
بينها ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب المتعلّم وغير المتعلم وغياب الرؤيا
الممنهجة في البرامج التعليمبة التي أهملت التكوين المهني الذي كان ركيزة قويّة في
طاقة استيعاب الشباب المنقطع عن التعليم ذكورا وإناثا وفي فتح موارد رزق تعمّ
البلاد من شماله إلى جنوبه ليحافظ العمل على قيمته التي ليس كمثلها قيمة في
قدسيتها التي تحافظ على كرامة الفرد وعلى كبريائه وعلى اعتزازه بانجازاته و توفر
له الرزق الحلال وراحة البال وتجعل منه مواطنا صالحا يساهم في دعم الاقتصاد الوطني
بروح تواقة إلى الإنجاز وبهمة عالية وبسواعد مفتولة تخدم المجموعة الوطنية دون كلل،
نموذج راق للشاب التونسي الذي يعطي بسخاء حينما تتوفر لديه الإمكانيات المطلوبة
والسند القوي من قبل السلط الموكول إليها رعاية ومتابعة مثل هذه الأنشطة والمشاريع
المهنية في البلاد...
انعدام الرؤيا الصائبة وضعف الحاكم
قد يؤدّيان إلى خراب الأوطان.. في الفترة الأخيرة من حكمه كان الرئيس السابق شبه
غائب كأنّه مخدّر وشبه نائم..
أجزاء الرواية كلّها مترابطة وتسير
في السياق نفسه لا تحيد عنه، والانطباع الأول الذي يرتسم في ذهنك أنّ لهذا العمل
قيمة فنّيّة عالية طغت على كلّ هذه النّصوص الممتعة والتي تجعلك وكلّما تقدّمت في
القراءة إلّا وتزداد متعة وشراهة.. نصوص شحذتها الأنثى بين الحين والحين برقّة
عباراتها الّتي تتخلّلها إيقاعات لطيفة تريح الخاطر وتبهج القلب فتضيف للنصّ روعة
تسترعي انتباه القارئ وتحفّزه على إشباع نهمه من هذه النصوص الشبيهة بلوحات فنّيّة
تشبه إلى حدّ كبير وأنت تستنطقها ما صوّره فيكتور هوغو في البؤساء مع فارق بسيط أنّ
هذا العمل اعتمد الإقبال على الحياة والتوق إلى مباهجها والإصرار على انتزاع رايات
الفرح منها كركيزة أساسيّة تنطلق منها هذه الشخصيات لتثبت إيمانهم بأنّ من واجب الإنسان
أن يصارع القوى الهدّامة في بسالة وأن يدخل معارك ضارية لينتصر فيها حتى يحظى
بالمأمول... لا شيء بإمكانه أن يثبط عزيمته للفوز بما يريده ويشتهيه في هذه الحياة
شرط أن يتّخذ من الأمل والتفاؤل وقوة الإيمان سلاحا له حتى يكون الآتي أفضل وأجمل
.. هذا ما لمسته في هذه الرواية، قيم إنسانية متأصّلة في الإنسان السويّ منذ أن
التحق بالأرض ليكون أمينا عليها...
والأكيد أنّ متعة الكتابة هي التي أنتجت جمالية
هذه النصوص فالكاتب قد أضفى على هذه النصوص بريقا يجذب القارئ في حسن نسيج عباراته
وفي روعة جمال صوره وفي بلاغة مفرداته التي أضافت إلى مخزوني الذاتي تجربة عميقة
في الكتابة الروائية التي بدت لي جامعة لكلّ أجناس الكتابة نثرا وشعرا وخطابة
ورسما وصورة تكاد تنطق... لنقرأ سويا هذه الفقرة من الرواية حتى تظهر لنا جماليّة
هذا الوصف وقدرة الكاتب على صيد المفردات الدالة على بؤس الحياة لدى هذا الطفل
الذي لم يتجاوز الثماني عشرة سنة والذي يتنقّل كلّ يوم من حي التضامن إلى هنشير
اليهودية للبحث عن رزق يؤمّن له ولعائلته القوت:
"يغدو حسن كلّ يوم ويروح، يغادر
منزل والديه في الصباح الباكر ويسير بمحاذاة الحيّ يستنشق روائح الفواضل الآتية من
بعيد تحملها الرياح. مع مرور الأيام وهو يتنقّل بين حيّ التضامن وهنشير اليهودية
تعوّدت حواسه والأنف والرئتان على الهواء الملوث. هي الحياة هكذا والقدر والنصيب والظروف.
يسير حسن وخياشيمه مشرعة تشرب هبّات الريح تعبُّ منها وتزوّد بها باقي البدن..
ثماني عشرة سنة هي حصيلة الزمن الذي قضاه منذ الولادة حتى الآن... وجه مشرب بحمرة
تحوّلها الريح أثناء السير إلى زرقة فاتحة.. ثمّ ترتسم على الزرقة خطوط سوداء
متعرجة. كان حسن في الأيام الأولى كلّما استقبل الفضاء خارج المنزل ومشى قليلا يمرّر
كفّيه على خدّيه ليطمئنّ على أنّ الوجه لم يتسطّح ولم يتحنّط والشفتين ما تزالان
كما رآهما في المرآة قبل الخروج والذقن لم ينكمش ولم يختف ولم تخرج العظام عن
مواقعها، أمّا الآن فقد استوى الماء والخشب، يسير مطمئنا كما تسير الرياح كما تسير
المياه المستعملة في منعرجات الأرض كما يسير الدود على حواشي الجدران مارا بالحفر
والنتوءات كما تسير القطط والكلاب على الأرض المزروعة بأكياس البلاستيك، تتحرّك
شفتاه لا إراديا يهزّه شعور غامض فيخرج صوته يسبقه بخار أبيض هي الأنفاس المتصاعدة
من أعماق الرئتين بلادي بلادي بلادي... أنت حبّي ومرادي.."
ورغم صعوبة المرحلة وتداعياتها التي
كانت سببا في تشويه الذاكرة الوطنية ورغم هول الأحداث التي زعزعت أركان البلاد نرى
شخصيات الرواية لم تتزحزح عن قوة إيمانها بما يعنيه الوطن. ظلّت هذه الفئة المهمّشة
متمسّكة بهويّتها ومتجذّرة في أصالتها، لم يغيّرها هذا الانقلاب على السلطة، ظلّت
تبحث كعادتها عن رزقها حريصة على أن تعيش حياتها كما جاءت غير زاهدة في الاستمتاع
بها، الشيء الذي أثار انتباهي هو تلك الموجات العاطفية التي غزت مساحة كبيرة من
هذه النصوص الممتعة لتضفي عليها بهجة الحضور في ألوانها وفي سحر إيقاعاتها التي
تشفي الجرح في لحظة تدفّق عاطفي له طعم الشهد في حلاوته، يردّ الروح وينعش القلب
في مشهد نجح السارد في توظيفه توظيفا سليما وهو يجعله يطغى على أغلب هذه اللوحات
العاطفية التي تعبق بمدى توق الإنسان إلى الحياة في عمقها وفي بعد مراميها وفي
غمرة ملذّاتها ومتعها التي لا تحصى. مثل هذا التوظيف أعطى للرواية قيمتها الحقيقية
التي جمعت حديث القلب بحديث العقل وهذه القيمة الحقيقية إن دلّت على شيء فهي تدلّ
على أهمّية أن تكون انسانا له مشاعر وله رغبات وله توق إلى مباهج الحياة في عمق
سيرها الطبيعي.
بهذا الكساء الحريريّ الشفّاف قدّم الكاتب
أبطاله وبطلاته في حركية دؤوبة توازي حركية الحياة في بهائها وفي قوّة حضورها
لتبدو أحداث الرواية نابضة تنبع من عواطف متأجّجة لأبطال الرواية و بطلاتها، ممّا أضفى
على هذا العمل قيمة فنية عالية باعتباره يصوّر واقعا معيشا ويعبر عن حياة الناس
العادية في رواحهم وفي غدوّهم فالكاتب لم يجعل أبطال الرواية جامدين وغير حقيقيين
وهو ينقل إلينا واقعا لامسه وتابع أحداثه واكتوى بنيرانه التي لم تنطفئ إلى حدود
هذه الساعة. لقد أبحر الكاتب في أعماق الوضع الاجتماعي لهذه الفئة الضعيفة ليعرّي
معاناتها وكان الكاتب يجرنا إلى سلوك سياسي غير مستساغ كان السبب المباشر في
ازدياد نسبة الفقر والبطالة حالة مزرية جعلت الهموم تجثم على فكر المواطن وعلى
مشاعره وعلى سلوكه اليومي وهذا ما جعل نيران الثورة تتأجّج في كامل أنحاء البلاد
لتحرق كلّ ما يعترض طريقها ولهذا سمّوها ثورة الجياع.
هناك من يقول إنّ الأدب منبعه الواقع
لأنّ الواقع يدفعنا دفعا إلى أن نعبّر عن مواقفنا وعن رؤانا و عمّا خلّفه هذا
الواقع في أنفسنا من مشاعر الغضب والفرح والسخط والأمل أو الحلم والحزن رأينا
الحلم يكبر في هذه النصوص المشوقة التي لمسنا فيها لغة متماسكة وأسلوبا مرنا وبحثا
معمّقا يغوص في صلب الأحداث يسير بك الكاتب في طرق ملتوية وفي منعرجات خطيرة صادمة
وهو ينشد الحقيقة لاهثا حائرا مترقّبا ويبدو في أحيان أخرى منهكا قلقا وربما متوتّرا
يرصد بين الحين والحين ما سوف يعثر عليه من حقائق ضافية في هذه الطريق الوعرة متلهّفا
على أن يظفر بها وقد تلاءمت وتطابقت مع ما رسمه في ذهنه مسبقا رغبة في انتصار يمحق
به خصمه المزعوم محقا لا حياة له بعده لقد نجح هذا المبدع في طرح القضايا الساخنة
التي ظلّ يتتبّع خيوطها خيطا خيطا رغم تشابكها وتعقيداتها وهذا ليس بالأمر الصعب
على من لديه مثل تجربته الراثدة والتي لها ثراء إبداعي لا يوازيه ثراء آخر لا بد
من الإشارة إلى أنّ الدكتور عبد القادر بالحاج نصر يصنف كأغزر الروائيين إنتاجا إلى
جانب تبنيه كلّ الأجناس في الكتابة النثرية انطلاقا من القصة القصيرة إلى الرواية
فالمقالة الأدبية وكذلك المقالة التي تخوض في الشأن السياسي وصولا إلى الكتابة
المسرحية التي حظيت بالرضا من قبل مؤسسة الإذاعة والتلفزة الوطنية التي ادرجتها في
برامجها اليومية. لا أحد يجرؤ على أن يزاحم هذا الكاتب إلّا إذا توفّر لديه إنتاج
يوازي إنتاجه عدديا وتقنيا وجرأة في طرح قضايا شائكة تتطلّب شخصية قويّة إرادتها
وعميق إحساسها بالوطن... الوطن هو تيمته التي اعتنقها منذ الصغر... فلا شيء يعلو
على الوطن... مواطن تجذّر في أعماقه الشعور بالوطنية زيادة عن كونه فكرا يقظا يرصد
كلّ صغيرة وكبيرة تؤثّر على السير اليومي العادي في وطنه ليسجلها في ذاكرته إلى
يوم يتناولها فيه بالبحث والتمحيص قصد الوصول إلى نتيجة قد تنال رضاه...
يقول الروائي عبد القادر بالحاج نصر
قي حوار أجرته معه جريدة الشروق... إنّ الكاتب الذي يخون مبادئه تسهل عليه خيانة
الوطن ولست أرى على مرّ الزمن أغلى من وطني ومن أهل وطني... ويقول محاوره الإعلامي
بجريدة الشروق محسن بن أحمد في مستهلّ لقائه به... هو الروائي الدكتور عبد القادر
بالحاج نصر الذي نذر حياته للإبداع الروائي بكلّ صدق وصفاء الوطن هو تيمته التي
اعتنقها فلا شيء يعلو على الوطن ولا تراجع عن محاكمة من أساء إلى الوطن... ولهذا
التقديم أهمّيته التي تتمثل في:
1. تحديد موقف هذا الروائي ممن
يستهينون بقيمة الوطن.
2. في تحديد موقف هذا الروائي ممّن
يسيئون.. للوطن فيصرّ على محاكمتهم... الملفت للانتباه في هذه الرواية أنّ
الشخصيات فيها ظلّت متمسّكة بهويّتها متجذّرة في أصالتها لم تغيّرها هذه الأحداث
الدامية والتي زعزعت الشعور بالأمن لدى المتساكنين ظلّت شخصيات الرواية كعادتها
تبحث عن رزقها حريصة على أن تعيش حياتها كما جاءت غير زاهدة في الاستمتاع بملذاتها.
منحت هذه الصورة المتفائلة إلى هذه النصوص بهجة التشبث بالحياة في عمق مراميها وفي
جمالية عطاياها وفي قوة الإيمان لدى الإنسان العاقل والحكيم بقوّة الأمل الذي لا
يكفّ عن أن يتناسل عبر الساعات والأيام ليعيد الفرحة إلى القلوب المتعبة والشّعور
بالأمان إلى من فقدوه والابتسامة التي تنير الوجوه كأنّ الكاتب يقول.. لا لليأس لا
للتراخي ولا للحزن ما دمت حيّا فالحياة تعني الاستمرار في الكفاح لتحظى بنتيجة
والتراخي لديه يعني الموت أمّا الحركة فهي تعني الحياة.
بقلم عائدة عبد الحميد
ماي 2021

تعليقات