من متاهات اللّغة والأدب: حديقة لكسمبور بقلم: طاهر البكري
![]() |
| رواية: حديقة لكسمبور |
عندما انتهيت من قراءة رواية "حديقة لكسمبور" بقيت عالقة في ذهني شخصيّة كاتبها بطموحاتها ومصاعبها، بأحلامها ومتاعبها، وكان سرد الراوي من باب السيرة الذاتيّة الّتي تجمع بين وصف الحياة الطالبيّة في باريس والحنين الجارف إلى قرية بئر الحفي والعاصمة تونس.
هي صراع الطالب ومعاناته اليوميّة
خصاصة واحتياجا وبحثا عن فراش للنّوم وأكل بما يكفي جاء صريحا، دون لبس أو تزييف
لواقع قاس يطارده الكاتب بحبّ الدراسة الجامعيّة والرّغبة في الحصول على شهادات
تمكّنه من الخروج من حياة سابقة في الصّحافة والإذاعة.
ورغم كلّ الحالات المرهقة والبائسة
يتغنّى الكاتب بنشيد للعاصمة الباريسيّة ويعيش بين أحضان مقاهيها وحدائقها وشعرائها
وشوارعها ويبقى الحيّ اللاتيني مصدرا للنّشوة والإعجاب والتّضحية والمطالعة
كموسيقى جميلة تتخلّل الصفحات وتهزّ المشاعر وتبعث على المناجاة والحلم والاعتزاز
بالنّفس في حين هي هشّة وكثيرا ما يتغلبّ عليها الألم.
هكذا هي الرواية/ السيرة بين فرح وحزن،
بين حبّ وخيبة، بين نجاح وفشل.
أحببت الرواية ولا شكّ أنّ آلاف
الطلبة عاشوا نفس الحالات وهي في واقعيتها الأليمة لا تخلو من جاذبية وحسّ شعريّ وتعلّق
بالأصول القرويّة عن بعد أو قرب.
يكتب عبد القادر الحاج نصر نصّا
نزيها جريئا يجمع بين الذّكرى وإعادة المنابع إلى مجاريها، دون مغالاة أو تضخيم بل
كتذكير بمسار شخصيّ قد يكون مشتركا بين العديد من أبناء وطننا وتصبح الرواية شاهدة
على حقبة من تاريخ البلاد زمنا وفضاء، تطلعا ومانعا.
حديقة لكسومبور أغنية يشدّها الحنين،
ترفع كلماتها إلى ذات فرديّة وجماعيّة، تشيد بأسماء أساتذة في اللّغة والأدب
العربي كندى طوميش وأندري ميكال وجمال الدّين بالشيخ ومحمّد أركون وتكنّ حبّا وعرفانا
للعروسي المطوي وأحمد اللغماني والعديد من الأصدقاء بين تونس وباريس. فكانت
الرواية كخيط حميم يربط بين واقعين بين حياتين. وجهان لقاصّ صاحب خبرة سرديّة
يساهم في إضافة مؤلَّف آخر عن الحياة الباريسية بعد طه حسين والأيام وسهيل إدريس والحي
اللاتيني وعبد المجيد عطية والمنبتّ وجورج أورويل وهمنقواي وغيرهم كثر.
كنت سعيدا لقراءة الرواية فشكرا لما تكتب.
طاهر البكري

تعليقات