السيجارة
ينفث دخان سيجارته في بطء شديد فيحدث خيطا يمتدّ
من بين شفتيه إلى سقف غرفة الجلوس.
يتهيّأ لمغادرة المنزل، يتحايل لوضع ربطة عنقه
تحت ياقة القميص.. حين يشعر أنّها استوت في مكانها يفتح عينه اليسرى التي أغمضها
بفعل دخان السيجارة فيكتشف أنّ شطر ربطة العنق علا فوق الياقة والشطر الآخر اختفى
تحتها.. ينفث الدّخان.. يحوّل السيجارة من يده اليسرى إلى يده اليمنى، ينفخ
الدّخان ثمّ آليّا يغمض عينه اليمنى ويبذل قصارى جهده للتغلّب على عناد الرّبطة..
أخيرا يفتح عينه اليمنى فيكتشف أنّ ربطة العنق اتّخذت مكانها تحت ياقة القميص.
يرمي ببقيّة السيجارة بعد أن يتأمّلها جيّدا..
يلتحق بها لمّا يرى أنّ خيطا من دخان ما زال يتصاعد منها ويتسلّق الفضاء.. يلتقط
السيجارة بين السبّابة والإبهام، يحدّق فيها جيّدا، يضعها بعناية بين شفتيه،
يمصّها بقوّة حتّى ينغرز الخدّان في أضراسه مكوّنين حفرتين عميقتين متوازيتين.
يرمي مرّة أخرى بالبقيّة الباقية من السيجارة،
يدوسها بحذائه الأسود الّذي تقشّرت مقدّمته ولم تفلح أدوات التّلميع في إخفاء
البقع المهترئة التي أصبحت تشبه البثور في الوجه.
يفتح العلبة الجديدة بأصابع مرتعشة، يخرج سيجارة،
يتنفّسها بقوّة كما يتنفّس المختنق نسمة الهواء.. يضع قدما على العتبة، يرفع القدم
الأخرى، يخونه التّقدير فترتطم بحاشية العتبة.. يتعثّر، ينحني، يستند بكفّيه على
الأرض فيسقط دون أن يفترش التّراب.
تمتلئ نفسه سعادة فقد أنجز رقما قياسيّا في
التصدّي للعثرات، وهو يفاخر بذلك أمام زوجته الّتي تبتسم وتحتفظ بالتّعليق وهي
تنظر إليه بشطر عينها.
ضرب بقدميه على الرّصيف.. مشى خطوات، أحسّ بضيق
في التنفّس ففكّ قليلا من ربطة العنق.. لفحته ريح عابرة فنفرت عروق الرّقبة ثمّ
انتفض كامل الجسد تحت وابل من سعال.
توقّف عن السّير حتّى خفّ السعال.. تأمّل
السيجارة بين أصابعه.. ابتسم، دسّها بين شفتيه.. استأنف الرّحلة القصيرة بين
المنزل والمقهى.
كذلك الرّحلة كلّ يوم.
الحادية عشرة جلس كعادته بين زمرة الرّفاق.
ألقى بعقب سيجارة بعد أن أشعل أخرى.
تمطّى، مدّد ساقيه ويديه وأطلق تنهيدة سعادة
انعكست على وجهه حمرة ورديّة.
- ها.. ما رأيكم؟
نظر إليه الأوّل ولم يعلّق.
حدّق الثّاني وابتسم.
غمز الثالث غمزة متأنّية نحو الأوّل والثاني..
رسم بشفتيه حركة استهزاء.. لوى ساقا على ساق وترشّف القهوة.
تأخّر النّادل عن سلطان فنطّ بخفّة مفتعلة، تسلّم
قهوته من صاحب المقهى مباشرة، احتسى منها قليلا، مصّ السيجارة وجلس متأفّفا.
«هؤلاء لا يفقهون شيئا، كلّما التقيت بهم تسبّبوا
لي في صداع كبير.. ألم يخترق صدري كأنّما انفجرت قنبلة داخله.. أعلمتهم أنّني بدأت
التّدخين منذ الثّامنة، ألتقط أعقاب السجائر من حواشي الأرصفة.. حين تكون السيجارة
منتهية لا يمكن إشعالها، أمضغها، ألوكها ثمّ ألفظها على قارعة الطريق.. أفهمتهم
-وقد أصبحت كبيرا- أنّ كبار الحومة، السادة الأشراف يجلسون في المقاهي، ويضع كلّ
واحد منهم علبة السجائر أمامه مفتخرا معجبا.»
«دوابّ صمّ بكم.»
هبّت ريح حرّكت المناديل الورقيّة، أسقطتها من
فوق الطاولة ودحرجتها بعض الأمتار، خفّ إليها سلطان، التقطها واحدا بعد آخر وعاد
إلى مجلسه، وضع المناديل في أماكنها ووضع السيجارة في المطفأة.. عصفت الرّيح مرّة
أخرى بالمناديل فقفز نحوها وأعادها إلى مواضعها مبتسما.
مدّ أحد الرّفاق يده ليأخذ منديلا لكنّ سلطان
التقط المنديل بسرعة ثمّ جمع باقي المناديل وضغط عليها بقبضته.
- المنديل لمن يلتقطه.
ضحكوا وضحك.
جذب نفسا طويلا.. رفرفت الشعرات في منخريه وظلّت
مرفرفة.. شعور بالارتياح والتفوّق والغلبة سرى في خدّيه حمرة تغلب عليها الزّرقة..
تنهّد.
رمى عقب السّيجارة وأشعل أخرى.
تابع دواوير الدخان تندفع أمامه تعبث بها الريح
فتتلاشى ولا يتبقّى منها شيء.
لا أحد يضاهيه.. في الثّمانين من العمر، كامل
الأوصاف، أصلع الرّأس، نتف من شعيرات بيضاء موزّعة بالتّساوي على قفاه، حروق غير
متساوية على الوجنتين والذّقن.. يردّ على استفزازات رفاقه بصيحات كأنّها النّفير..
التفاتات في كلّ الاتّجاهات بخفّة النّمر.. رقبة مطواع محروثة بالتّجاعيد، نافرة
العروق.. حين تأمرها الغريزة تدور يمينا ويسارا مائة وثمانين درجة، بل تتمطّط
تسعين درجة أخرى وقد يدفعها في نفس المسار عشر درجات أو عشرين إذا اقتضى الموقف..
القميص مفتّحة نصف أزراره بما يكشف عن الصّدر الأشيب والثّديين المتهدّلين.. أمّا
السّرّة السّوداء الملتوية طبقات فتظهر وتختفي وفق حركة القميص.. قهوة سوداء عاقدة
كأنّها غرفة من طين لزج كبّ فوقه سائل أسود.. الجالسون حوله يحاولون تهدئته بالعبارات
اللّطيفة، بالابتسامات، بوضع الكفّ على ظاهر اليد، بالتمسيح.. كلّما تلفّظ أحدهم
بكلمة مزعجة أدار رأسه كالأفعى دون أن يحرّك باقي الجسد، وعلى وقع كلمة أخرى يحرّك
رأسه في الاتّجاه المعاكس وتنغرز عيناه في صاحبه ثمّ يردّ عليه بكلمات حادّة
كأنّما يجلده بالسّياط.
يمسك أحدهم بذراعه بلطف شديد فيجذبها بعنف متناهٍ
ثمّ يرفع السيجارة في وجهه.
- أرأيت هذه السيجارة، تأمّلها جيّدا، بها أحارب
حتّى الموت.. حين يقترب الموت منّي أشهر السيجارة عاليا فيدور الموت على عقبيه
وينصرف.
يمدّد رقبته ويرفع رأسه الذي يبدو شبيها ببصلة
مقشّرة.
«سامحني يا ربّ.. هؤلاء الجهلة الكفرة يدفعون بي
إلى طريق الضّلالة.»
يمسك السيجارة، يشعلها من عقب الأخرى ثمّ يرمي
بالعقب بدفعة من السبّابة والإبهام، تسقط على مربّعات الجليز قرب الطاولة وتظلّ
مشتعلة.
«سبعون سنة يا ناس.. كلّما استبدّ بي الغضب أشعلت
سيجارة فانطفأ.»
تمدّدت الرؤوس الثلاث نحو رأسه، انتفض ورفع رأسه
فوق الرّؤوس ونظر من فوق.. ديك انتصر على ديكة ثلاثة وانحنى فوقهم مترصّدا أدنى
حركة ليعمل فيهم المنقار.
لم ينزعج من الضّحكات والغمزات والإشارات.. رمى
بعقب السيجارة وداس عليه بقدمه.. التقط بشفتيه سيجارة أخرى، نفخ في الهواء عدّة
نفخات، ما انبعث من منخريه من دخان أشدّ كثافة ممّا خرج من بين شفتيه.. لا أحد
يدري كيف أنّ منخريه اللّذين سُدّا بكومتين من الشّعر الأسود والأبيض تخترقهما
سحابة الدخان وتتلاشى في الفضاء أمامه دواوير وخطوطا متعرّجة.
سقطت السيجارة من بين شفتيه.. نظر إليها مبتسما..
همّ بالانحناء ليلتقطها.. أصابته نوبة من سعال فانحنى رأسه وظهره رغم أنفه.. مدّ
أحد رفاقه يده ليأخذ السيجارة من الأرض لكنّ سلطان أمسك باليد وظلّ ممسكا بها
قابضا عليها بشدّة.. حاول الرّفيق سحب يده بلطف ثمّ بقوّة ثمّ بعنف لكنّ قبضة
سلطان كانت متشنّجة متيبّسة كأنّها قبضة من حديد.
ازدادت نوبة السعال شدّة.. جثا سلطان على
ركبتيه.. أدار عينيه في الرّفاق، عينين فارغتين لكن حمراوين في لون الجمر.. أحنى
رأسه حتّى كاد يصطدم جبينه بالأرض.. التقط السيجارة، رفعها قليلا، قرّبها من
شفتيه، كادت تلامس شفته السفلى.. ارتعشت الأصابع، فقد توازنه، ارتخت ركبتاه فالتوى
وسقط على الأرض.
بقيّة سعال ظلّت ترجّ صدره.. ضغطت الأصابع
المرتعشة على السيجارة ومشى بها في الفضاء مترنّحة منتفضة كورقة مشدودة إلى الغصن
تذروها الريح.
وضع السيجارة بين شفتيه.. أغمض عينيه.. فتحهما..
أغمضهما.. فتحهما وأغمضهما بين سعلة وأخرى.. رفّة كالابتسامة ارتسمت على الملامح
مشحونة بالتّحدّي والإصرار والقوّة.
هدأت نوبة السّعال.. انطبقت الشفتان على السيجارة
فأغمض عينيه ولم يفتحهما.
عبد القادر بن الحاج نصر

تعليقات