التّعبيريّة الواقعيّة، دراسة في رواية "من قتل شكري بلعيد" للروائي عبد القادر بن الحاج نصر بقلم د. جاسم خلف الياس

دراسة في رواية "من قتل شكري بلعيد" لعبد القادر بن الحاج نصر
بقلم: د. جاسم خلف الياس
التعبيريّة الواقعيّة:
تعدّ التعبيريّة أقرب الاتّجاهات الكتابيّة إلى المادّيات
المحسوسة في كلّ من القصّة والرواية، وفيها نرى الحوادث الغريبة، والشخصيات
الإشكالية التي تقدّم متخيّلا سرديّا يحاكي الواقع المعيش ويتداخل معه. ويرى
التعبيريون أنّ الذات هي الجوهر وهي الانعكاس الحقيقي للعالم، وعليه فالواقع في
التعبيرية الروائية هو امتداد لنفسية القاص، إذ تستقي معينها من الذات وترتسم
انعكاساتها على النصّ بلغة اللاشعور الدفين المختزن في الأعماق؛ ولهذا السبب وازنوا
بين الشخصي والاجتماعي، المتخيّل والواقعي، ممّا دعا الروائي إلى التخلّي عن
الواقعية التقليدية واتّجاههم إلى واقعية تعبيرية أو ترميزية أشدّ فاعلية في
التلقي.
اتّكأت رواية (من قتل شكري بلعيد) على حدث خارجي بوصفه
مسوّغا لتداعيات تستطيل وتتشعّب وتتوازى وتتعامد في تقنيات متعارف عليها جعلتها
امتدادا للتيار الواقعي الذي ينطلق من الواقع الخارجي، من حادثة، أو شخصية حقيقية.
وقد سعى الروائي إلى تجريب تقنيات تلفت الأنظار إلى الجانب الخفي من النفس
الإنسانية وما يختلج فيها من مشاعر وأفكار، ورصدها دون إغفال الاهتمام بالواقع
الخارجي الذي يعزّز إبراز الجانب الخفي لتلك النفس؛ الأمر الذي دفعه إلى تأمّل
الذات والتوغّل داخل أعماق الشخصية وتبئير رؤيتها في السرد. وعلى الرغم من واقعية
الرؤية التي يورثها الروائي في معالجة الموضوعات التي تقع ضمن دائرة سلوك الأفراد
تبعا لدوافعهم، إلا أنها التزمت بسرد التفاصيل الجزئية للواقع الخارجي أيضا، إذ
جاءت هذه الموضوعات التي رصد القاص الحياة الداخلية لشخوصها، وما يحتوي وعيها من
أفكار وفق رؤية سردية، تتناسب مع المتناقضات والمفارقات بمهيمنات نصية تجلّت في
دائرة تيار الوعي. وعلى هذا الأساس، جاءت الشخوص مثقلة بحضور الماضي عبر الذاكرة؛
لذا فان نصوصها تولّد تشابكا عبر أفعال سردية، أنتجتها شخوص هنا وشخوص هناك
(الأصدقاء، أهل الحي، الأقارب... وغيرها) وشكل انحيازها إلى اعتماد الحوار الداخلي
والتداعي واللحظة النفسية تعبيرا جديدا يتجاوز السرد التقليدي الذي يعتمد على
الوصف الخارجي إلى دواخل تلك الشخوص المثقلة بالإحباطات والهزائم والخيبات، وهم
يستغرقون آخر وعي لهم في الأزمة الضيقة التي يحشرون بها قسرا. وقد تجلّى إحساس
الشخوص بالضياع على الرغم من اندماجهم في عالم الآخرين بشكل واضح المعالم، فعبّرت
عن مواقفها تجاه الحياة تعبيرا يدفعها إلى التحوّل في مواجهة الضغوطات النفسية
الحادة. وبهذا استطاع عبد القادر بن الحاج نصر أن يقدّم رؤية تشكّل لديه نزوعا
للابتكار والتجديد، وجوهرا متواصلا في القبض على المسار التجريبي الجادّ الذي
يندمج مع الواقع، ولا يتعالى في تهويماته. واعتمد في تجريبه الكتابي هذا على نوع
سردي، استعار كثير من الروائيين فضاءه الكتابي من القص الغربي، أطلق عليه (تيار
الوعي). فما هو تيار والوعي؟ وكيف ظهر؟ ولماذا؟ وما هي تقنياته؟
تيار الوعي:
لاقى مصطلح تيار الوعي أو الشعور اهتماما كبيرا في
بدايات القرن العشرين، وتمّ توظيفه في عدد من الأعمال الروائية بشكل واسع، فضلا عن
اهتمام الدراسات النقدية في أصوله التي ساعدت النقاد في كشف الخفايا النصية
وعلاقتها بالسارد أو الشخصية. إذ شكلت هذه الكتابات جزءا هاما من المنجز السردي
بوصفه نوعا تعبيريا اعتمد (الوعي الذاتي) في استرجاع الوقائع التي حدثت في الماضي
وتحوّلت إلى رموز ودلالات ترسّبت في أعماق الذات الإنسانية.
إنّ تيار الوعي
يعمل على استعاضة الحوار المنطوق، بالحوار الصامت، والخفي في النفس بواسطة
المونولوج، والمناجاة المتحرّرة من القيود الخارجية، والتداعي الحرّ وغيرها من
التقنيات التي تمّ توظيفها في هذا الاتّجاه، وقد وصفه وليم جيمس بـ ((انسياب الوعي
المستمرّ بذاته، لكنه يحتوي على أقسام منفصلة من التركيز أثناء انتقاله من موضوع
إلى آخر، وتباين موضوعات التفكير عن بعضها في عملية الوعي، بيد أنّ الأفكار ذاتها
دائما متناغمة مع قرائنها، وذات هوية ثنائية لا تستطيع اللغة إدراكها)) () ثمّ دخل المصطلح عالم الأدب، وتمّ توظيفه في
تقديم الجوانب الذهنية للشخصية في السرد. وأصبح تقنية يوظّفها الروائي ((لتقديم
المحتوى الذهني والعمليات الذهنية للشخصية عن طريق وصف المؤلّف "الواسع
المعرفة" لهذا العالم الذهني)) (). وعلى هذا الأساس أخذت تستهوي الروائي
تمظهرات لغوية عملت على صياغة الوعي الإنساني، وإيجاد المعنى في متغيرات جمالية
ذاتية مستقلّة عن الواقع ومتّصلة به في الآن نفسه. فعندما يذكر السارد أو الشخصية
فعلا معينا، فإنّ العقل سرعان ما يتداعى إليه - بشكل عفوي - ما يتّصل بهذا الفعل،
سواء أكان في الجانب السلبي أم الايجابي. وفي تلك اللحظة فإنّ قرار الفرد أو سلوكه
سيتحدّد بناء على تلك الخلفية المتداعية.
إنّ هذا النزوع الإنساني المعتاد في التعامل البشري قاد
عملية السرد التي كانت في السابق تتوقّف عند الوصف السلوكي الظاهري، والتركيز في
البعد الاجتماعي دون التعمّق والتوغّل إلى توظيف بعض الروائيين معارف وثقافات
عصرهم في كتاباتهم، فسعوا إلى تقديم المزيد والدقيق عن الحالة والواقع الإنساني في
لحظات الحكي، تقديمًا عميقًا ومراوغا. وعرفت الرواية عند هؤلاء الكتاب بـ (رواية
تيار الوعي).
لقد عدّ بعض النقّاد مصطلح تيار الوعي مصطلحا نفسيا وأنّ
استخدامه كمصطلح أدبي غير شرعي، ومنهم الناقد أنريكي أندرسن أمبرت الذي عدّه
مصطلحا إشكاليا منذ اللحظة التي أثار فيها الكثير من التعليقات والانتقادات. وأخذ
يتساءل: هل المصطلح يعدّ مسمّى لنوع فرعي من السرد التي تستخدم الحوار الداخلي
كأحد تقنياتها؟ وهل هو تقنية تهدف إلى التظاهر بأنّ الراوي لا يتدخّل، وأنّ
الشخصية تعكس لنا ما يدور بعقلها؟ وهل هو مفهوم تاريخي يساعد على إدخال الخطوات
التي يستخدمها بعض الكتاب في عملهم الأدبي ومن بينهم جيمس جويس؟ ()
وقبل الحديث عن تفاصيل تيار الوعي، لا بد أن نشير إلى أنّ
الروائي قام باختيار مادته السردية من مفردات الواقع الذي عمل على تسجيل صور كثيرة
من نمط الحياة فيها. وأنّه عالج بعض الموضوعات التي تقع في دائرة القضايا النفسية
التي تدور حول الفرد، وتعالج سلوك الأفراد تبعا لدوافعهم، فضلا عن معالجة أسباب عجزهم
في كثير من الأحيان عن التكيّف مع واقعهم المحيط بهم؛ لذلك لا يمكن القول بعدم
واقعية سرد (تيار الوعي) على الرغم من تخطّيها الواقع، وتجاهل ما يحتويه من
جزئيات، فهي واقعية مخالفة لنهج الواقعية الكلاسيكية، التي اهتمّت بسرد التفاصيل
الجزئية للواقع الخارجي، من دون الاهتمام الجانب النفسي، إذ نلمس سيطرة شعور
الغربة والوحشة والمعاناة من جراء لوعة الانتظار والخلاص من إشكالياتها، انتظار
الغائب وتجسيد الغربة في المكان والزمان، لاسيما حين يختل التواصل النفسي والروحي
مع الآخرين، فضلا عن ترسيخ عوامل الإحباط ورصدها من الداخل عبر اقتناص اللحظات
الشعورية في الوصف التعبيري، وتوظيف المونولوج الذي تحتاجه الشخصية حين تطفح
عواطفها وأزماتها.
أولا: المونولوج
وهو حديث فردي صامت، تتحدّد مهمّته في تدفّق الأفكار
التي تمرّ عبر كيان الشخصية، وقد اهتم الروائي بهذه التقنية، على ((افتراض أنّنا
قادرون على أن نعرف أيّ شيء بخصوص عقول الآخرين ودوافعهم، أكثر ممّا نستطيع
ملاحظته من سلوكهم ومظهرهم الخارجي)) (). وفي هذه التقنية يحاول الفاعل الدلالي أن
يتحاور مع ذاته، لإظهار صوته بالشكل الذي يعبّر عن وجهة نظرها، وقد أطلق على مثل
هذا الحوار بالحوار الذاتي الذي يسعى الروائي عبره إلى تحجيم دور (السارد العليم)
ووظيفته التقليدية في السرد.
وتتضمن تقنية المونولوج نمطين بنائيين في سرد تيار الوعي
هما:
أ- المونولوج المباشر:
ويوظّف الروائي المونولوج المباشر من أجل تقديم وعي
الشخصية للقارئ بصورة مباشرة، من دون تدخّل من جانبه؛ لأنّ الشخصية توجّه كلامها
إلى الداخل، فتجعل القارئ في حالة اندماج معها.
((خذيني إليك يا رقيّة أو أشيري إليّ بطرف جفنك لآخذك.. كلّ
المال والجاه الذي سأجنيه من تسفير الشّباب إلى مناطق القتال في بلاد الشّام، كلّ
ما سأجني من عمليّات تهريب السّلاح والمخدّرات سأضعه بين يديك، أنت قدري، إمّا أن
تأخذيني إليك وآخذك إليّ وإمّا أن تقتليني وأقتلك فلا حياة وأنا هنا منطو على نفسي
أمام خديجة وهي تشرب دموعها والصّدر يهتزّ بالأنين والنّواح، لا دنيا لا أفق لا
إحساس بالحياة، لا نبض، لا معنى لأيّ شيء من حولي)) ().
لقد جاء السرد في هذا النمط من المونولوج بضمير المتكلّم
(أنا) وهو يتمظهر في الملفوظات الآتية: ((خذيني،
أشيري، إليّ، سأجنيه، سأجني، سأضعه، قدري، تأخذيني، إليّ، تقتليني، نفسي، حولي)). ويشكّل
تجلّيا فاعلا في بنية الحضور(عثمان) / الغياب (رقيّة)، فضلا عن تشكيله عالم العجز
الكلّي عند عثمان في اجتياح قلب (رقيّة): (خذيني إليك يا رقيّة أو أشيري إليّ بطرف
جفنك لآخذك) وهذا ما دعاه إلى الاعتراف بعمالته وخيانته لوطنه: ((كلّ المال والجاه الذي سأجنيه من تسفير الشّباب إلى مناطق
القتال في بلاد الشّام، كلّ ما سأجني من عمليّات تهريب السّلاح والمخدّرات سأضعه
بين يديك)). ثم يكثف التعبير عما يدور في داخله، فتعلو نبرة صوته داخليا،
وتشتد عليه أزمته النفسية: ((أنت قدري، إمّا أن
تأخذيني إليك وآخذك إليّ وإمّا أن تقتليني وأقتلك)). كما تشتدّ حيرته أمام
الواقع الذي يعاني من قسوته؛ جراء سلبيته في التعامل مع زوجته خديجة: ((فلا حياة وأنا هنا منطو على نفسي أمام خديجة وهي تشرب
دموعها والصّدر يهتزّ بالأنين والنّواح)). بعدها يعترف بواقعه الموحش،
فيزداد صراعه الداخلي بين الواقع الذي يعيشه، والأحلام التي تراوده في حيازة حب
رقية، فيصل إلى درجة الاحباط العليا حين لا يكون لحياته أيّ معنى، فيستبصر عمق
مأساته، وقسوة كارثته النفسية: ((لا دنيا لا أفق لا
إحساس بالحياة، لا نبض، لا معنى لأيّ شيء من حولي)).
إنّ الجدّة في
توظيف هذا النزوع الإنساني المعتاد في التعامل البشري يكمن في أنّ عمليّة السرد
كانت في السابق تتوقّف عند الوصف السلوكي الظاهري، والتركيز على البعد الاجتماعي
دون التعمّق فيه. إذ كان القاص يعرض النتيجة دون ذكر العمق النفسي الذي يكمن
وراءها. ولكن مع المتغيرات الحياتية أخذ القلق والخوف، والاغتراب، والإحساس
بالتلاشي يسيطر على الروائي أمام جبروت التغيرات الحياتية بكلّ تفاصيلها الثقيلة.
فبدأ يتأمّل تلك النفس التي يحتويها جسده، محاولا التخلّص من إرهاصاتها، والكبت
الذي يلقي بثقله عليها وغيرها من الانفعالات.
وأحيانا يتداخل في هذا المنولوج كلام السارد مع كلام
الشخصية فيسمى (المنولوج المسرود) أو (المونولوج المروي) أو (المنولوج المتداخل) وهو
((الصوت المتداخل الذي يمتزج فيه صوت السارد وصوت الشخصية)) (). وتتداخل في هذه
التقنية سمات الكلام المباشر بسمات الكلام غير المباشر، فبدلا من أن يظهر في النصّ
متكلم واحد (السارد أو الشخصية) يمتزج فيه متكلم ظاهر ومتكلم خفيّ، الأول هو
الراوي والثاني هو الشخصية، ويظهر الصوت الخفي للشخصية ويشارك الصوت الظاهر سيطرته
على النص. وفي بعض الأحيان يكون الصوت الخفي هو المتكلم الرئيسي ():
((يومها، في اللّحظة التي كادت الشّفاه أن تتذوّق الرّشفة
الأخيرة وترتوي حتّى الثّمالة ارتخت أعضاء الجسد وتباطأت الأنفاس فأبعدت شفتيها عن
شفتي البشير وقفزت مبتعدة، غادرتها شهوة اللّقاء، تصلّبت شرايينها، خرجت من الغرفة
وأدارت المفتاح في الباب، عرّت وجهها للهواء الآتي من الفجاج البعيدة.. كيف
تزوّجته! ليس هو الرّجل السّاكن في خاطرها والذي طوت من أجله أرصفة الزّمن الهارب
لتستريح في أحضانه. تعلم أنّها مزاجيّة وأنّ البشير مستقيم لكنّ عاطفتها عاصفة
رهيبة حين تنتفض تدمّر داخلها عالما وتقيم عالما آخر. كم من شارع طوت، كم من زقاق
في المدينة القديمة، كم من ساحة، كم من منعطف ثمّ عادت تفتح باب الشّقة وتفتح باب
الغرفة وتلقي بجسدها المنهك على السّرير بجانب البشير وقد أصبح طعم القبلة طعم
الحنظل ورائحة الجسد رائحة مخازن العلف المركّب.)) ()
في هذا المونولوج الذي يكون فيه السرد موضوعيا، تتجلّى
قسوة الواقع وهو يترنّح من التحوّل من حال إلى حال، فبدلا من حضور الفعلين
المضارعين في فضاء اللحظة الشعورية التي اجتاحت نفس زهراء وهي: (تتذوّق) الرّشفة
الأخيرة و(ترتوي) حتّى الثّمالة من شفتي البشير، تحضر الأفعال الماضية: (ارتخت)
أعضاء الجسد، و(تباطأت) الأنفاس فـ (أبعدت) شفتيها عن شفتي البشير و(قفزت) مبتعدة.
(غادرت)ها شهوة اللّقاء، (تصلّبت) شرايينها، (خرجت) من الغرفة و(أدارت) المفتاح في
الباب، (عرّت) وجهها للهواء الآتي من الفجاج البعيدة ويبدو لنا أنّ إبدال الأفعال
قد شكّل تحوّلا في عمق الشخصية عبر الاستعارة التنافرية التي لم تعتمد على الصور
فحسب، وإنّما على انثيال الكلمات أيضا، إذ أنّ إحساسها الحادّ بالفارق بينهما،
والحنين للاتّصال بالآخر، دفعها للانفلات من براثن العزلة المهلكة التي تعيشها.
وهنا ينتهي كلام السارد ليتداخل مع كلام زهراء، والروائي كان عالما بهذا التداخل،
الأمر الذي جعله يضع نقطتين (..) متتاليتين بين الكلامين، إذ يأتي كلام زهراء الآن
على شكل منولوج داخلي مباشر، وهي تستفهم في أسلوب طلبي يخرج من الاستفهام الحقيقي
إلى الاستفهام المجازي وهو التعجب: كيف (تزوّجت)ـه! ليس هو الرّجل السّاكن في
خاطرها والذي (طوت) من أجله أرصفة الزّمن الهارب لـ (تستريح) في أحضانه. (تعلم)
أنّها مزاجيّة وأنّ البشير مستقيم لكنّ عاطفتها عاصفة رهيبة حين (تنتفض) (تدمّر)
داخلها عالما و(تقيم) عالما آخر. كم من شارع (طوت)، كم من زقاق في المدينة
القديمة، كم من ساحة، كم من منعطف. وهنا يتمّ إبدال الأفعال بشكل عكسي، من الماضي
إلى المضارع؛ عدا الفعل (طوت) كي تفعّل في نفسها الانفلات من الأبعاد الكابوسية
لحظة المفارقة القاسية، مثلما انفلت خيط السرد من السارد وتدخّلت الشخصية في توصيف
معطيات تلك اللحظة، وعلى الرغم من أنّ السرد هنا سرد موضوعي، إلاّ أنّ دلالته
الايحائية تجعلنا نزيح هذا النوع من السرد ونقول سردا ذاتيا، جاء في لعبة عرف
الكاتب كيف يلعبها.
كما يتداخل صوت الشخصية مع صوت شخصية أخرى في مونولوج
مباشر، وكثيرا ما يأتي على شكل أوهام: ((توهّمت أنّها
سمعت صوتا وكلاما.
"سيّدتي كم أنت حزينة وأثار الدّموع
بادية على خدّيك الورديّتين".
"سيّدتي كم أنا حزين لحزنك.")) ()
وهنا تداخل صوت (سليمان) مع صوت (زهراء) في وصف الحالة
الشعورية المتطابقة شكلا وتدليلا. وقد جاء التشكيل البصري في كتابة الصوتين خال من
علامة الترقيم (-) التي تدل على بدء الحوار، وهذا ما يعزّز التداخل والإشارة
الواضحة إلى نوع المونولوج.
في اشتغالات تكاد تكون نادرة في السرد الروائي، عمد عبد
القادر بن الحاج نصر إلى استثارة السارد العليم في خلق وصف للحالات الشعورية التي
تقترب كثيرا من المونولوج المباشر عبر تداخل حالتين متطابقتين في الشعور:
((أحسّت كأنّها رأته من قبل.. قد يكون
تعمّد الخروج من منزله في هذه اللّحظة بعد أن لمح نصف جسدها، نصف طيفها، يدفعه
نحوها إحساس غريب غامض وإلاّ لم غادر الرّصيف المحاذي لمنزله واتّخذ رصيف منزلها
مسارا له ولم انصرف ثمّ عاد)) ().
في هذا الوصف المونولوجي إذا جاز التعبير تمظهرت حالة
شعورية لـ (فاطمة) وقابلتها حالة شعورية لـ (هيثم) في صوت داخلي لكلّ منهما، تمثّل
الأول في إحساسها برؤيته سابقا، وشعورها بتعمّد خروجه في اللحظة التي لمح نصف
جسدها، وتمثّل الثاني في اندفاعه بإحساس غريب نحوها، في الوقت الذي أوجد السارد
لهما مسوّغا لشعوره كلّ واحد منهما بحالته.
وإذا كانت خيارات أيّ كاتب في التكوين الدلالي تحدّد
باللغة، نجد أنّ اللغة عند عبد القادر بن الحاج نصر تحمل احتمالات متعدّدة، إذ
يحمّل الكلمات القاموسية المتداولة مشاعر وأفكارا وأحاسيس ومشاهد موازية، تجعلها
قادرة على الإيحاء. وهنا ليست اللغة وحدها هاجسا تجريبيا في وصف الأحوال، بل
التراكيب السردية والبنيوية المتّفق عليها. فالكاتب شعر بالحاجة إلى تجاوز
الاتفاقيات الواقعية وسعى إلى الإفادة من لغة المجاز والاستعارة وتشظية الأحداث
والذكريات والمشاعر، الأمر الذي حوّل زهراء من سيطرة شعور الغربة والوحشة
والمعاناة جرّاء لوعة لا تطيقها، فترفض التواصل مع الآخر (الحاضر) إلى رغبة حقيقية
في التواصل النفسي مع الآخر (الغائب). وهنا نجد الجانب الأكثر وضوحا في الرواية،
وهو الجانب النفسي. وحين وظّف السارد جزءا من ذاكرة الزهراء، إنما أراد أن يجعل
ماضيها حاضرا أثناء انتظارها للتواصل مع حبيبها الذي قد يطول، أو ربّما لا ينتهي
أبدا، ولذا جاءت سخريتها المريرة من هذا الانتظار في ترميز عال وخفي في انتظار
الانفصال عن زوجها، وعلى هذا الأساس أغوت عاطفة السارد/ الشخصية عندما وصف مشهدا
خارجيا اتّخذه القاص معادلا دلاليا لما ينتاب الشخصية من سوداوية واغتراب روحي
وجسدي، فتدفّقت الصور فاتنة لتعكس قدرة إبداعية على تصوير مشهد فنّي أدّت فيه
الكاميرا دورا فاعلا في التلقي:((عادت تفتح باب
الشّقة وتفتح باب الغرفة وتلقي بجسدها المنهك على السّرير بجانب البشير وقد أصبح
طعم القبلة طعم الحنظل ورائحة الجسد رائحة مخازن العلف المركّب.)) وهنا عاد
صوت السارد الذي لا يهادن، بل يزيد توتّر اللحظات الحرجة في لغة تتعالى على
الخطابية ليتداخل مع صوت زهراء مرّة ثانية، وهي تعبّر عن عواطفها وأزماتها لتستجلي
خفايا النفس الإنسانية وتصوّر ما ينتابها من تشاؤم وخوف وقلق وانفعال وضجر...
وغيرها من الانفعالات التي أكّد عليها السارد، في الوقت الذي تجنّب النظر إلى ((الأشياء من الخارج، بل يغمرها من الداخل ليعيد تركيبها من
جديد)) ()
ويتمّ التداخل مرّة ثانية بين صوت السارد وصوت زهراء في
هذا المقطع، وباللعبة التنقيطية ذاتها التي تفصل بين الصوتين، على الرغم من صعوبة
الفصل بينهما:
((لا تدري ما الذي فجّر فيها حزنا انقبضت
بفعله كلّ أطراف جسدها.. هل لأنّها أعطت شفتيها وكفّيها وصدرها للبشير طيلة هذه
الأعوام، وأنّها في النّهاية اغتالت كلّ أشواقها وأحلامها عند محطّة مهجورة خالية
موحشة تصفّر في أرجائها الرّياح الباردة)).
وتعد هذه الاشتغالات السردية استجلاء لخفايا النفس
الإنسانية، وما ينتابها من تشاؤم أو خوف أو قلق أو انفعال أو ضجر، وتصوير الحالة
الشعورية الباحثة عن الخلاص من تأزّمها، وفراغ روحها، ومحاولة سبر أغوارها بلا
جدوى، فضلا عن تجنّب النظر إلى الأشياء من الخارج، والعمل على تفجيرها من الداخل،
وإعادة تركيبها من جديد.
ب- المونولوج غير
المباشر:
وهو نمط من المونولوج ((الذي يقدّم فيه المؤلّف الواسع
المعرفة مادّة غير متكلّم بها، ويقدّمها كما لو أنّها كانت تأتي من وعي شخصية ما))
() واعتمادا على التنظيرات التي تناولت تعدد الأصوات في الرواية فقد وصفه باختين
بـ ((صنف أدبي خطابي الأسلوب (متكلّف) وحواري داخلي، يبنى اعتياديا على شكل مناقشة
مع غائب، الأمر الذي يؤدّي إلى إسباغ الروح الحوارية على مجرى عملية الكلام والتفكير))
(). كما أنّه ((يعطي القارئ إحساسا بحضور المؤلّف المستمرّ، ويستخدم وجهة نظر
المفرد الغائب بدلا من وجهة نظر المفرد المتكلّم، والطرق الوصفية والتفسيرية،
وإمكان تحقيق المزيد من الترابط والوحدة الشكلية في اختيار المواد المعالجة)) ().
في الحوار الذي يجري بين عثمان ورقيّة، يتمظهر المنولوج
غير المباشر إلى التأكيد على قناعات السارد التي تشكّل ضغطا لا مناص منه للخروج من
أزمة الذات المنسحقة. وقد أتى هذا المنولوج عبر خلق متلقّ (موهوم/ حقيقي) لخطاب كلّ
منهما، إذ شكّل تعالقا بين الحوار الخارجي والحوار الداخلي:
((- كم أنا محظوظ يا رقيّة.
"يا كلبة ابنة الكلب ستضطرّينني إلى
أن أكون مجرما محترفا.. للظّروف أحكام. " (مونولوج
غير مباشر)
- حظّي أنا أعظم يا عثمان.
"يا أوسخ من كلب مزابل." (مونولوج
غير مباشر)
- أودّ أن نقضي بقيّة اللّيل في الهواء
الطّلق ننظر إلى النّجوم وتنظر إلينا.. أنا وأنت والنّجوم فقط.
"سأجعلك تشربين حتّى تتعتعين، ساعتها
لكلّ مقام مقال." (مونولوج غير مباشر)
- سنفعل ما تشاء.
- يا مقاول الزّمن، يا بذاءة كلّ الأزمان:
«لن تظفر منّي بشعرة واحدة يا أرذل خلق الله." (مونولوج
غير مباشر)
- سيتلألأ القمر من أجلنا كما لم يتلألأ
من قبل.
"يحزنني أن تختفي قبل اختفاء القمر
يا رقيّة العزيزة." (مونولوج غير مباشر).
- أنت مهندس الأماكن الجذّابة في الهواء
الطّلق.
"أنت مهندس الوساخة والبذاءة
والمفاسد." (مونولوج غير مباشر).
- كلّ الجمال من حولنا بعض من جمالك.
" كم سينقبض صدري وأنا أودّعك."
(مونولوج غير مباشر).
- لا تدّعي شيئا يا عثمان فما تقوله
أوهام، لا تفتعل، لا تكذب، لا تتصابى، لا تسخر.
"مهما أخفيت نفسك وأينما أخفيتها
فسأخرجها وأصبّ عليها الوقود وأشعل فيها النّار.. القطرة التي نزلت في كأس الوسكي
ستجعلك تحكّ جلدك ككلب أجرب.")) (مونولوج غير مباشر).
فالكاتب قد أراد من السارد في هذا المقطع أن يعالج فكرة
لا يمكن تطويعها بسهولة، وهي التداخل بين الحوار الخارجي والداخلي، لذلك شكّلت
اللغة عنده كما عند كثير من كتّاب تيار الوعي، هاجسا مقلقا لم يتردّد في الإفصاح
عنها منذ التداخل بين صوته وصوت الشخصية الذي مرّ ذكره في المونولوج المباشر. وذلك
للحد من سيطرة أو هيمنة السارد العليم، الذي قد يتدخل في أمورـ حسب رؤيتهـ تخصّ
الشخصية وحدها دون رؤية يشتركان فيها. وهذا بدوره يقلّل من فرصة التعرّف على دواخل
الشخصية، والاكتفاء بمظهرها الخارجي في وصف تقليدي يسعى القاص على مغادرته.
في هذا المونولوج توارى السارد خلف الشخصيتين ليقدّم لنا
وعيه، في حين يتصوّر القارئ أنّ السارد يقدّم وعي شخصياته، وهذا يتطلّب فضلا عن
المهارة الفنّيّة، قدرة على التحليل والنفاذ إلى أعماق الشخصية، وقد تجلّت لنا
وجهة نظر المرأة (رقية) بدلا من وجهة نظر الرجل (عثمان) بوضوح عبر تناوب الكلام
الذي يتلفّظ به كلّ منهما، فمرّة يأتي الحوار بدون أقواس، ويأتي داخل الأقواس مرّة
أخرى. وقد شكّل النمط الثاني منولوجا، وليس حوارا خارجيا، هو الكلام الذي أتى على
لسانهما. فقد لجأ إلى شطر ذات الشخصية إلى ذاتين تعلن أحدهما ما في داخلها بلطف
وتودّد، وتخفي الأخرى ما في داخلها من حقد وانتقام للآخر، ولكنّهما في المجمل
تتحاوران وتعي كلّ منهما وجود الأخرى. تمثّل كلّ شخصيّة حالة اجتماعية ونفسية
وثقافية مختلفة عن الأخرى، وأنّهما تتقاسمان الماضي ذاته والذكريات ذاتها تحت وطأة
الألم اليومي من دون أيّ علّة نفسية وإن تشابهت الحالة مع مرض انفصام الشخصية، ذلك
لأنّ الذاتين المنقسمتين يعيشان في ذات واحدة، وكلّ ذات على وعي تامّ بالأخرى
وتحاورها في ماض مشترك بينهما، يتمظهر في حوار مؤثّث بثنائية الوهم (الحبّ) /
الحقيقة (الموت).
ويبدو أنّ مثل
هذا النمط من المونولوج يكثر توظيفه في الروايات ذات التحليل النفسي، ذلك أنّ
الكاتب قد وظّف مساحة واسعة من الوعي، إن لم نقل الوعي كلّه، في تقديم شخصيتي (رقيّة
وعثمان) بوصفهما ضحيّتي عنف اجتماعي وسياسي. والتقط الوحدات المنبعثة من وعي
الشخصية بدلا من التعبيرات اللفظية التي تتعمّدها الشخصية في عرض يحاكي التفكير
ويمنح القارئ شعورا بالتدفّق العقلي وبذلك يمكن القول إنّ القاص قد نجح في توريط
القارئ مباشرة في تجربة الشخصية فجاءت المنولوجات شبيهة بعمليّة (التحليل النفسي).
وقد لامس القاص ظاهرة (الانتقام) من جوانب عدّة، ويمكننا أن نعدّ هذه القصة تشخيصا
بليغا لهذه الظاهرة في عرض دقيق لنفسية المرأة التي اضطرت لممارسة هذا الفعل، لذا
فإنّ ما دار في عقلها لحظة محاورته كان مرعبا وهي تتذكّر الاغتصاب والقهر والهزيمة
واليأس والفراغ النفسي وانطفاء الأمل. مشاعر دفعتها إلى محاولة الانتقام، فهي ليست
ضحية رجل فحسب، وإنّما ضحيّة مجتمع فاسد. أمّا عثمان فلم تكن ممارسته لهذا الفعل
الذي كان يخطّط له إلاّ عبارة عن التخلّص من الانتقام الذي يدور في عقل رقيّة.
لقد شكّلت قصص تيار الوعي صعوبات للكاتب والقارئ على حدّ
سواء. وقد تمثّلت الصعوبات لدى الكاتب في تمثيل الوعي بواقعية بواسطة الحفاظ على
طابع خصوصية الشخصية (التشوش، عدم التواصل، والتضمينات الخاصّة). وتمثّلت لدى
القارئ في التواصل معه عبر هذا الوعي. وبهذا أضفى الكاتب كثيرا من الحيوية النفسية
على شخصية (رقيّة) الأمر الذي أنتج تعاطفا مكثفا مع شخصية لا تمتلك إلاّ فضيلة
الحضور القويّ. كما لم يغفل الكاتب بعدا نفسيا آخر بالغ الأهمية، ذلك أنّها ما
زالت تفقد الإحساس بأنوثتها على الرغم من كلّ الجمال الذي تمتلكه، فأنوثتها ناقصة
من دون أخذ ثأرها من إرادة الاستبداد والظلم والسلطة التي تريدها لحما أبيض
مغتصبا، يلوكه الظلم ويقذفه على الحافة؛ لأنّ مجتمع النفاق يغتال نصف الحقيقة على
الأقلّ. ولكنّ عثمان على الرغم من سطوته وجبروته وهو يمثّل الشذوذ والفساد
والهيمنة الذكورية وسطوة المال والجنس، إلاّ أنّه محبط من الناحية النفسية، ويعاني
من أزماته الخاصّة. وما لحظة الفعل التي يمكن اختزالها نفسيا وعمليا في جملة واحدة
(هيمنة الذكورة التي صنعها الاستبداد)، إلاّ تفسير العنف الذي وجّهه الرجل
(الضحية) إلى المرأة (الضحية).
ففي غمرة انخراط (عثمان) في فضاء التذكّر والأماني، كانت
حركات (رقيّة) تشكّل مثيرا جعله يجترّ الذكريات أكثر، فتنهمر سياطا تلسع فحولته،
وتوقظه من نشوة التلبّس بالمستبدّ. وإذا كان عثمان يرمز إلى السلطة بكلّ أشكالها
(الأبوية والاجتماعية والسياسية) فإنّ (رقيّة) ترمز إلى شريحة من المجتمع المثقل
باستبداد يمارس العنف، فالعنف دورة مستمرّة، وطموح المقموع هو ممارسة دور القامع،
فيما تظلّ (فاطمة) رمزا للقهر والدونية والضحية منذ فجر التاريخ إلى نهاية الظلم.
إنّها ضحيّة سلطة الأب، واستبداد الذكورة، وتشويه التاريخ.
المناجاة:
وتعني بـ ((تقديم المحتوى الذهني، والعمليات الذهنية
للشخصية، مباشرة من الشخصية إلى القارئ بدون حضور المؤلّف، ولكن مع افتراض وجود
الجمهور افتراضا صامتا)) (). ويكون الحديث فيها ((على انفراد شأنه شأن المونولوج
الداخلي، إلاّ أنّه يقوم على التسليم بوجود جمهور حاضر ومحدّد)) (). وتتميّز
بموقفها الحواري من النفس، إذ أنّ اقتراب المرء حواريا من نفسه ذاتها، من شأنه أن
يكسر الأغلفة الخارجية لصورة نفسه. هذه الأغلفة موجودة في نظر الناس الآخرين التي
تحدّد القيمة الخارجية للإنسان والتي تعكّر صفاء الوعي الداخلي ()، وفي معجم
المصطلحات يقدّمها مجدي وهبة على أنّها ((طريقة للسرد يلتزمها بعض كتاب الرواية في
الكشف عملا يدور في نفوس شخوصهم بعيدا عن تقديم الحدث أو الحوار الملفوظ ومن غير
تقيّد بالترتيب النحوي أو المنطقي للكلام، ويكون ذلك محاكاة لتطوّر الأفكار في
الذهن الذي يشرد من موضوع إلى غيره دون قاعدة أو اتّجاه معيّن. والغرض من هذا النوع
من المناجاة هو كشف مستويات الوعي السابق على التعبير، ويلاحظ أنّ هذه المناجاة
خالية من علامات الترقيم، والغرض من تسجيلها الإيحاء بحركة العقل المتدفقة
المستمرة بكل ما تشتمل عليه من تداعي المعاني من غير ضبط ولا منطق)) (). وعادة
تأخذ المناجاة مسافة زمنية أطول من المونولوجات، ومساحة طباعيه أكثر أيضا:
(("ها أنا أزيح الغطاء وأتمدّد
متسلّلة أحاول أن أستنشق رائحة سليمان من رائحة البشير المستغرق في النّوم لكنّني
لا أستطيع فجبل من الصّخر والشّجر المحترق يحول بيني وبينه". "كم أهفو
إلى الطّلاق، كم أهفو إلى أن أصاحبه إلى عتبة المنزل وأغلق الباب وراءه إلى
الأبد" "أتمدّد وأغرز نظري في السّقف، أرى المحيط يزحف نحوي، أشجار
الدّفلى المصطفّة على الطّريق المؤدّية إلى ساحة المحطّة، شجرات الصّفصاف وإسفلت
الرّصيف المقابل وأشجار الحديقة المجاورة وأنفاس سليمان المنكبّ على ورقة بيضاء
يحاول أن يملأها حروفا وكلاما وأحاسيس.. كلّ فضاء مكتبه آت نحوي وهو جالس لا يعي
ما يجري حوله.. أنا المهزومة سأقتلعه من جذوره، أنا المهزومة التي لا أنهزم،
الهازمة رجلا مهزوما". "وأتذكّر دموع عبد الصّمد، أتذكّر جروح خدّيه
وشعره الأبيض الذي يمرّ فوق أذنه اليمنى ويدور حول قفاه ليتوقّف عند أسفل الأذن
اليسرى، أتذكّر صلعته التي تتلقّى أشعّة الشّمس الحارّة وقطرات المطر الباردة مثل
الرّصيف، مثل السّاحات المبلّطة، مثل السّطوح.. ويسير عبد الصّمد منحنيا، يستوقفه
أحد المارّة فيتوقّف ويرفع رأسه عاليا حتّى تكاد مؤخّرة رأسه تلتصق بكتفه اليسرى،
تنفرج شفتاه لا هو مبتسم ولا هو مندهش، يوجّه له كلاما فيردّ بكلام، ويواصل السّير
على نسق الدّوابّ الهزيلة". "أتذكّر طيفه وأنا أحدّق فيه.. أهو يتقدّم
أم يتأخّر! أهو يصعد النّهج في اتّجاه ساحة المحطّة أم ينزل نحو مجرى الوادي الذي
يحدّ بناءات الحيّ!" "أتذكّر أنّني متعبة والفضاء من حولي دوّارات ريح،
عواصف ثلجيّة.. كلّ المسارات جرف هار هنا وجرف هار هناك والبشير مستلق على عرض
السّرير وطوله وأنا مستلقية على الحاشية أتفادى أن يلمس جسدي جسده، أن تسقط يده
على يدي حين ينقلب على جنبه، أن تغمرني أنفاسه لحظة أسحب الهواء إلى رئتيّ
المتعبتين" "دقّات قلبي تتسارع، وصدري يعلو وينخفض".)) ().
لقد عمد الروائي عبد القادر في هذا الاشتغال السردي إلى
جعل المناجاة طويلة وعميقة، مصحوبة بتداخل ضميرين (المتكلم والغائب) عبر تدفّق
شعوري وانثيال لما يكتنف داخل الشخصية للإشارة إلى تقنية تيار الوعي. وهذا ما حصل
مع (زهراء) في هذه المناجاة الطويلة وهي تجسّد أحاسيسها تجاه (سليمان) وحرمانها
منه، ولشدّة ما تدفّق داخلها نتيجة كوابح المجتمع وموانعه أنهت مناجاتها بتداخلها
مع مونولوج مباشر (("دقّات قلبي تتسارع، وصدري
يعلو وينخفض")) ().
وهنا أخذت (زهراء) تبحث عن ذاتها الضائعة، حبيبها
الغائب، أنوثتها التي تخلّى عنها، إذ لم يعد بإمكانها استيعاب واقع متردّ افترقت
فيه عن حبيبها، في أوّل محنة لها. فزهرة التي عرضها القاص منشطرة على ذاتها
للتعبير عن نزعات الذات هي شخصية سوية، تقترب كثيرا من الوعي، وتطارد ذاكرتها،
وتتلمّس مستقبلها، وتتفهّم واقعها، وتشخّص علّتها، بل وتخطّط لقادم أيامها بوعي
تامّ، ثمّ تشرع بالتنفيذ. وعلى هذا الأساس فالهدف دائما عند عبد القادر بن الحاج
نصر هو البحث عن الذات الضائعة، والبحث عن الذات عمل شاق، وصراع نفسي طويل، لازم
الإنسان منذ وجوده الأوّل فهو انطلاق نحو المستقبل المجهول وتمحور حول الواقع
المعلوم. لذلك فإنّ توظيف الروائي لمفردات (الهزائم، العواصف، الانهيار) جاء ضمن
الإطار العادي. فالهزائم جاءت في معرض هزيمة مرّت بهما: "أنا
المهزومة سأقتلعه من جذوره، أنا المهزوم التي لا أنهزم، الهازمة رجلا مهزوما"
فالمرء حين تهزه هزائم ونكسات تفوق قدرته على التحمّل، تتخلخل أفكاره، ويلازمه
القلق الوجودي، وهذا ما حدث لزهراء.
إنّ الشخصية هنا لا تخاطب ذاتها، إنّما تنشطر ذاتها إلى
ذاتين متقابلتين تخوضان حوارا بين الذات التي عصف بها العشق وهي تحاول البحث عن
هويتها، والذات المنهارة تحت سطوة الواقع، وعلى هذا الأساس وظّف الروائي إحدى
تقنيات رواية تيار الوعي بطريقة مبتكرة، إذ نقل إلينا بطريقة مباشرة ما يدور في
ذهن زهراء ما يتعلّق بحبيبها سليمان، أو ما يتعلّق بزوجها البشير. "البشير مستلق على عرض السّرير وطوله وأنا مستلقية على
الحاشية أتفادى أن يلمس جسدي جسده، أن تسقط يده على يدي حين ينقلب على جنبه، أن
تغمرني أنفاسه لحظة أسحب الهواء إلى رئتيّ المتعبتين"
في هذه المناجاة
لا تتحدّث زهراء إلى القارئ واصفة ما جعلها تتشظّى بين واقع تحلم به، وواقع مفروض
عليها، إنّما تنقل نشاطا وعمليات عقلية تدور في رأسها في تطوير ملحوظ لما يطلق
عليه المناجاة النفسية التي تتوجّه نحو الباطن لنقل فيضان التجربة العقلية في
محاولة لوضع القارئ في هذا الفضاء العقلي للشخصية: "أتذكّر
أنّني متعبة والفضاء من حولي دوّارات ريح، عواصف ثلجيّة.. كلّ المسارات جرف هار
هنا وجرف هار هناك" بهذا اللّعب الترميزي محورت زهراء ما يدور في
عقلها، فهي من المفترض أن تظلّ حرّة وصاحبة إرادة تدفعها نحو اختيار أفعالها، وأنّها
قد عملت على سبر أغوار النفس البشرية، كي تنتقل من كونها موجودة وجودا فائضا لا
نفع فيه وهي في بيت البشير، إلى وجود له دور فاعل في تغيير مجريات حياتها في بيت
سليمان.
وفي هذه التقنية يعرض عبد القادر بن الحاج نصر نشاطا
نفسياً مع مستمع مفترض على الرغم من أنّ الشخصية لا تنطق بهذا النشاط (الحوار)،
وإنّما تحدث (المناجاة) في أعماقها وهي تفكّر وتكشف أفكارها. ومن الجدير بالذكر أن
نذكر اللبس ببين (المونولوج) و (المناجاة) على الرغم من أنّ كلاهما نشاط أحادي
يجري داخل الشخصية، ولكن على تماثلهما في بعض العناصر، إلاّ أنّهما تقانتان
تختلفان فالشخصية في المناجاة تقوم (بالتفكير بصوت عال) وفي المنولوج تقوم
بالتفكير وحدها في الداخل:
((لو أجلس يوما إلى زهراء فسأعلن لها عن أشياء كثيرة
تؤرّقني وأبوح لها بأنّ هذه الأشياء تكاد لا تبرحني ليل نهار)). ص20
نستنتج من كلّ ما
سبق من تداخل بين المونولوجات ذاتها، وتداخلاتها مع المناجاة، أنّ اشتغال الروائي
في هذا الفضاء كانت له عدّة غايات، يمكننا إجمالها بما يلي:
الحدّ من سلطة السارد العليم، وهيمنة سارد جديد بضمير
المتكلم (أنا) يكون هو الشخصية ذاتها، وهذا ما يجعل السرد متداخلا بين الشخصية
والسارد في الوقت نفسه، وحاملا رؤيتين وصوتين، وغالبا ما يتعاطف معها القارئ. وهذا
ما يقع فيه القارئ من اللبس من خلال الجمع بين الواقع المحكي (الحدث) والتعبير
الداخلي.
عندما ينقل السرد على لسان الشخصية ذاتها، يكون متطابقا
تماما مع ما يجول في دواخلها، وكما ترى هي، ولهذا تأتي الكلمات مترابطة، والتراكيب
منسّقة حسب وجهة نظرها أحيانا، أو تأتي مخلخلة حسب نفسيتها.
يستمرّ جريان الحكي المونولوج أو ينقطع بسبب الفراغات (..) للدلالة على الاضطراب، إذ يأتي في لغة تحمل من العنف والقسوة ما يجعلها أقرب إلى نقل الأفكار الداخلية للشخصية.
![]() |
تواري السارد خلف الشخصيّةدراسة في رواية "من قتل شكري بلعيد" |
المراجع
١- اتجاهات جديدة في الأدب جون فليتشر ترجمة نجيب
المانع، دار الحرية، وزارة الاعلام، بغداد، 1974م.
٢- تيار الوعي في الرواية الحديثة، روبرت همفري، ترجمة
محمود الربيعي، دار المعارف بمصر، 1975م.
٣- تيار الوعي في الرواية العربية الحديثة، دراسة
أسلوبية، محمود غنايم، دار الجيل للطبع والنشر والتوزيع، مصر، 1993م.
٤- القصة القصيرة، النظرية والتقنية، انريكي اندرسون
امبرت، ترجمة: علي إبراهيم علي منوفي، مراجعة صلاح فضل، المجلس الأعلى للثقافة،
مصر، 2000.
٥- القصة القصيرة الحديثة في العراق، د. عمر محمد
الطالب، دار الكتب للطباعة والنشر، جامعة الموصل، العراق ،1979.
٦- قضايا الفن الإبداعي عند دستوفسكي، م. ب. باختين،
ترجمة الدكتور جميل نصيف التكريتي، وزارة الثقافة والاعلام، بغداد،1986م.
٧- اللغة في الأدب الحديث، الحداثة والتجريب، جاكوب
كورك، ترجمة أيون يوسف وعزيز عمانوئيل، دار المأمون للترجمة والنشر، 1989م.
٨- معجم مصطلحات الأدب، مجدي وهبة، مكتبة لبنان، ج1،
1984م.
٩- من قتل شكري بلعيد، عبد القادر بن الحاج نصر، منشورات
دار زخارف، تونس، 2020.
١٠- وجوه الماس، البنيات الجذرية في أدب علي عقلة عرسان،
محمد عزام، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، سوريا، 1998.
د.
جاسم خلف الياس
جويلية
2020

تعليقات