مقطع من رواية: حديقة لكسمبور jardin du Luxembourg
![]() |
| غلاف رواية: حديقة لكسمبور |
داخل الحديقة
ما ألذّ أن نصعد الدّرج درجة بعد
أخرى وفي الوجدان خفقة أمل.. تشرق الشّمس وتغيب، نضع الرّأس على الوسادة فتنطبق
الجفون بلا عناء ويسري الخدر في كامل الجسد، وتأخذنا الأحلام إلى حدائق الورد
وحقول اللّوز والبرقوق والتّفّاح وكروم العنب.. عصافير تحوم وتحطّ على رؤوس
الأشجار تناجي بعضها، بلابل تغرّد، نسيم يهبّ حاملا رائحة الغابات البعيدة وطيب
أطيب الزّهور، مياه تجري سلسبيلا في جداول رقراقة.. ننظر هنا وهناك فنشعر بالأمن
والطّمأنينة، لا شيء يخيفنا، لا شيء يقطع شريط الحبّ والحنان، نصعد نصف الدّرج
العالي المتعالي فلا نلهث ولا نعرق.. مازالت المسافة ممتدّة، لتمتدّ ما تشاء فنحن
نطوي المسافات الواسعة كأنّنا نسبح في مياه دافئة، نغوص في الأعماق ونطفو فوق
الماء.. السّماء رحبة وسحابات هائمة على المدى وأغصان الأشجار متشابكة متعانقة،
تنحني وترتفع، ظلالها تصافح أرضا معشّبة، الأرض انبسطت هنا وارتفعت هناك.. نمدّ
البصر كما نشاء فيرجع إلينا البصر محمّلا بما رأى سحرا وجمالا وفتنة.. لا درج يدمي
الأقدام ولا أقدام ينهكها تسلّق المرتفعات مهما امتدّت المسافة.. ندرك الرّحاب
ونرتمي في الدّنيا التي نحلم بإدراكها.. قوارب تطوف فوق مياه السّان، بحّارة حول
سفن راسية يحومون كما يحوم النّحل حول الخليّة.. أمواج تتدفّق طبقات، والطّيور
البيضاء تعلو في الفضاء باسطة أجنحتها، تبتعد في اتّجاه قبّة السّماء ثمّ تقترب
بسرعة الضّوء من الموج تغرز مناقيرها في الزبد، تلتقط رزقها وتصّاعد.. أسراب تغدو
وأسراب تروح تتقاسم حصّتها من سمك البحر المندفع من الأعماق نحو إشراقة الشّمس..
تتواصل حركة الصّعود، لا ألم، لا خوف من السّقوط ولا تردّد ولا استراحة محارب..
يأخذنا الحلم في طواف عجيب، يلقي بنا في دنيا ألف ليلة وليلة.. نكاد نبلغ آخر
الدّرجات، يشعر المسافر بأنّه نائم فوق حصيرة عليه غطاء كأنّه لا غطاء، رقبته يسلك
فيها الوجع مسالك ملتوية، أولم يفقد منذ زمن بعيد نعومة المخدّة فالرأس لا تعلو
على الكتف، وهذه لا تعلو على الجنب.. الجسد كاللّوح المتشقّق في حيّز ضيّق من فراش
لا يشبه الفراش.. يشعر المسافر بأنّه نائم فوق نقّالة في غرفة صديقه المنصف، أو
منحشر في الكيس البلاستيكي في غرفة محمود فرج، أو منبطح فوق شبه سرير في شبه غرفة
لا شكل لها ولا مساحة لها ولا هواء، لكنّه مستقلّ لا يهمّه الضّيق.. مسافر اكتسب
حرّية مفقودة.. تنتهي درجات السّلّم أو لا تنتهي، سيصل إلى السّطح فيرى دخان
المصانع والمطاحن والمعامل والمخابز والشّاحنات يمتدّ ألسنة في الفضاء، يمتزج
بالسّحب الواطئة وبالضّباب المحيط.. سيستمع إلى أنين البواخر ودويّ الطّائرات،
سيتجوّل بين النّجوم التي يتخيّلها ولا يراها، سيصعد إلى قمم جبال الألب التي لم
يصعد إليها من قبل ولن يصعد، سيطول السّير كما تطول رحلة عمّال البحر عبر البحار
العالية، وتتضاعف المسافات كتلك التي تقطعها الطّيور المهاجرة، تظلّ متدفّقة مثل
الأودية التي تنطلق من الغرب وتصبّ في الشّرق.. لا شيء يبدأ ثمّ ينتهي، لا الشّمس
ولا القمر ولا النّجوم ولا الأعاصير العاتية، الكلّ يجري تحت سماء تتلبّد بالغيوم
ثمّ تصفو لتتلبّد من جديد.. يا رياح أعصفي، أعصفي فالمسافر مندسّ في لحافه يتلذّذ
أطوار أحلامه، ولقد رأى رجلا يدفع بعربته في بطحاء حيّ باب سويقة مشمّرا على
ذراعيه وساعديه.. لا أحد يعرف ما في العربة ولعلّها فارغة لا شيء فيها، ولا أحد
يعلم أين تتّجه ولعلّها تتّجه إلى لا مكان.. العربة تئزّ على إسفلت الطريق وهو
يردّد دون توقّف: "تونس يا تونس".. نهض المسافر متكاسلا، لا دروس لديه
هذا الصّباح.. قادته قدماه إلى دار تونس في الحيّ الجامعيّ، اعترضته ابتسامة عمّ
سالم: «افرح يا قديدر لقد جاءتك حوّالة بخمسمائة فرنك.. أليس لك أخ دبلوماسيّ في
بلاد الخليج».. اهتزّ فرحا.. «ليست الحوّالة حلما بل حقيقة، واقع لا شكّ فيه».
عبد القادر بن الحاج نصر

تعليقات