مقطع من رواية: غيمات بيضاء.. ما أبعدها!

 رواية: غيمات بيضاء.. ما أبعدها!
 

فلاّح على أطراف المدينة، في منبسط على حاشية واد، رفع رأسه وحدّق في قرص الشّمس.. عينان ترقرقت في أحضانهما الدّموع.. حارقة الشّمس والكبد تشتعل قهرا.. ضرب بالفأس في جذع شجرة الزّيتون.. الجذع صلب كالحديد الصّلب.. ارتفعت الشّمس وتطاولت في السّماء، لا سحب ولا غيوم.. مال نظر الفلاّح متّبعا اتّجاه الشّمس.. وضع الفأس على كتفه وآوى إلى بيته.

*****

تدافع الشّباب والكهول في ساحة الاجتماع.. بعد قليل سيقبل أحمد بن صالح وزير وزارات السّيادة، مهندس سياسة التعاضد، الأرض والبحر والمال والأعمال.

امتلأت قاعة الاجتماعات.. دخل أحمد بن صالح يرافقه العروسي المطوي رئيس لجنة الدّراسات الاشتراكية.. تصفيق حارّ ثمّ صمت مهيب.. الكلّ ينتظر أن تفتتح الجلسة الخامسة للدّراسات الاشتراكية.

تهيّأ للكلام، وتهيّأ الجميع للاستماع.. حتّى خارج القاعة اجتمع الشباب.. حتّى على السّلم الذي يؤدّي إلى قاعة الاجتماعات في الطّابق الأوّل.. حتّى أمام مدخل المؤسّسة.. الكلّ ينتظر.

أحمد بن صالح فتنة الشباب والكهول.

*****

في ساحة البيت تسلطن برّاد الشاي فوق الجمر، الفحم تلتهب جوانبه نارا مرسلة في الفضاء شرارات حمراء سرعان ما تتفتّت في الهواء وتتحوّل إلى ذرّات من رماد.. رفع غطاء البرّاد ينظر إلى الماء في أوج الغليان فقاعات فوقها فقاعات وتحتها فقاعات.. تشمّم رائحة الشاي الأحمر فانفرجت ملامحه.

التفت إلى مريم.

*****

افتتح العروسي المطوي جلسة الدّراسات الاشتراكية بعبارات بدت مزيجا من أدب وسياسة.. ابتسم أحمد بن صالح، وجّه كلمات مجاملة إلى العروسي المطوي والحاضرين في القاعة والواقفين على درجات السلّم والمحتشدين خارج المؤسّسة على رصيف نهج روما.

حين يتكلّم أحمد بن صالح يرهف الجميع السّمع.. إنّه ينفث سحرا وهو الوزير الوحيد الذي يستولي على القلوب والنّفوس.

*****

- كم اقتلعت اليوم من زيتونة؟

- لا زيتونة.

- كيف!

- ماذا أفعل؟ حفيت الفأس.

- خذها إلى الحدّاد.

- لن آخذها إلى الحدّاد.

- كيف؟

- أقتلع الزّيتونة يا مريم! ومن يمنحنا الزّيت الذي تفوّح به الطّعام، الزّيت الذي نشربه لمّا تخضّنا نوبات السّعال شتاء، الزّيت الذي تدهنين به جدائل شعرك.

- اصمت.

- لم أشتم أحدا، ولم أرتكب محرّما.. الزّيتون زيتوننا، زرعناه بأيدينا وسقيناه بالماء الذي جلبناه من حنفيّة القرية أو من الغدران أحيانا في القربة وأحيانا في الجرّة.. عشرات المشاوير يا مريم.. القربة على ظهرك والجرّة على كتفي.. الزّيتون زيتوننا.

- ماذا ستقول للعمدة؟

- سأضربه بالفأس على رأسه.

ضحكت مريم ومالت برأسها نحو رأسه.. امتزجت في نفسه رائحة بخار الشاي برائحة زيت الزّيتون يفوح من الجديلة.. تاقت نفسه.. تاقت نفسها.. تململ فوق سجّاد الحلفاء.. تململت وهي متربّعة بجانبه.

- نشرب الشاي أوّلا.

- وبعد ذلك..

- بعد ذلك نقبل على طعام العشاء..

-  وبعد ذلك..

- بعد ذلك نأوي إلى الفراش.

- وبعد ذلك..

- اصمت.. قد يسمعنا العمدة.

- ضحك وضحكت.

*****

مالت الرّقاب حيث مالت رأس أحمد بن صالح.. تونس بلادنا العزيزة، شجرة ظليلة وارفة مباركة، تحتضننا، تحمينا، ترعانا فبأيّ شيء نجازيها؟ بعض من حبّنا وبعض من إخلاصنا، وبعض من غيرتنا حتى تصبح محطّ أنظار العالم.

أليست جميلة يانعة خضراء.. نعم إنّها كذلك.. ليس كثيرا عليها أن نحملها في قلوبنا ونضمّ عليها الجوانح.. على قدر ما نهبها من حبّ سيكون العطاء.

*****

طوت مريم البرّاد والكأس وقرطاس السكّر ومشرب الماء.. طوت السجادة ووضعت الجميع في ركن من البيت.. فرشت الحصير وألقت فوقه فرّاشية صوف تزّينها خطوط صفراء وخضراء.. ألصقت المخّدة بالمخّدة، تمدّد الرّجل على الفرّاشية ذات الخطوط الصفراء والخضراء.. تابع حركات مريم تسرّح شعرها وتدهنه بزيت الزّيتون.. حوّل نظره وحدّق في السّقف.. أغمض عينيه.. نهضت مريم، أغلقت الباب، سوّت فردتي حذاء زوجها عند العتبة، أمسكت بحاشية الباب الخشبيّ.. ما أروع القمر ساطعا، هالة من نور وسط كوكبة من نجوم والنّسيم يلفح وجهها والجدائل ترفرف.. تحرّك في صدرها إحساس طغا على كلّ شيء، شهوة جسد يانع متحفّز، أغلقت الباب، جلست بجاب زوجها، أطفأت نور الشّمعة المتضائل، تمدّدت، أحاطت بذراعها صدر زوجها وقرّبت شفتيها من شفتيه.. إنّها تنتفض كغصن شجرة بفعل العاصفة.. لامست شفتاها شفتيه.. لا شيء، لا شيء، لا شيء.

نام الرّجل المتعب.

*****

انفضّ الاجتماع.. سار أحمد بن صالح يوزّع الابتسامات يمينا ويسارا.. إنّه رمز تونس الجديدة، إنّه القامة العالية الشّامخة، إنّه الأمل.

ألقى العروسي المطوي نظرة على قاعة الاجتماعات وما بقي فيها.. مقاعد فارغة وأضواء مطفأة وستائر مسدلة.. نزل الدّرج وهو، مثل احمد بن صالح، الابتسامة على الشفتين مرفرفة.. نزل الدرج، مشى على الرّصيف، ركب سيّارته R 12 وسار على مهل راضيا مطمئّنّا.

وتتواصل الأحداث

عبد القادر بن الحاج نصر

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

دمعة على خدّ النّاقة

وجهة نظر مغاربيّة في كتاب: "من أوراق صحفيّ شماليّ "لــ: ثامر سودي قمقوم

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الصّيدلة والأدب